متى ولماذا يتحول الغضب الذي فينا إلى هدوء لا نعرف مصدره؟
وعي العمر المتقدم
في زاوية مقهى هادئ، بعيداً عن صخب الشارع الرئيسي، جلس عاد يراقب مشهداً مألوفاً يتكرر كل يوم في مسرح الحياة: نادل شاب ومرتبك يسكب القهوة بالخطأ على قميص زبون أنيق ومستعجل.
| رجل ناضج يجلس بهدوء في مقهى ويتأمل مشهدًا إنسانيًا يعكس الصبر والنضج |
انفجر الزبون صراخاً فورياً، وجهه يحتقن بالدماء، يلوح بيديه مهدداً ومتوعّداً بتقديم شكوى للإدارة وفصل الموظف، بينما وقف النادل المسكين مرتجفاً، يمسح الطاولة بيد مرتعشة ويعتذر بصوت مخنوق.
راقب عادل المشهد بصمت، وابتسم ابتسامة خفيفة وغامضة، ليس شماتة في الموقف المحرج، بل استغراباً عميقاً من نفسه ومن تحولاته.
تذكر بوضوح كيف كان هو نفسه، قبل عشرين عاماً أو أقل، نسخة طبق الأصل من هذا الزبون الثائر.
كان عادل في شبابه كتلة من الأعصاب المكشوفة؛
أي تأخير بسيط في إشارة المرور كان كفيلاً برفع ضغط دمه وإفساد مزاجه ليوم كامل، وأي كلمة عابرة في غير محلها من زميل أو زوجة كانت تشعل فيه حريقاً لا ينطفئ لأيام.
كان يعتقد يقيناً أن الغضب هو دليل القوة والشخصية، وأن السرعة هي المعيار الوحيد للنجاح، وأن العالم بأسره يجب أن يدور وينضبط وفق توقيته الخاص
ورغباته.
لكن اليوم، وشعره يكسوه الشيب الوقور، وخطواته أصبحت أكثر اتزاناً، وجد نفسه ينهض بهدوء من مقعده، يقترب من الطاولة المنكوبة، يناول الزبون الغاضب منديلاً ورقياً، ويقول له بصوت منخفض، ورزين، ومليء بالود: بسيطة يا أخي، القهوة تزول بالماء، والقميص يغسل ويعود جديداً، لكن لا تفسد يومك الجميل وصحتك من أجل لحظة عابرة .
ثم التفت للنادل المذعور وربت على كتفه بابتسامة مطمئنة.
عاد عادل لمقعده وهو يتساءل في دخيلة نفسه: من أين جاء هذا الهدوء الغريب؟
متى وكيف استبدل بركانه الخامد والنشط بهذه البحيرة الساكنة والصافية؟
هو لم يقرأ عشرات الكتب في التنمية الذاتية، ولم يذهب لدورات تدريبية باهظة في إدارة الغضب ، ولم يمارس اليوغا في أعالي الجبال، لكن شيئاً ما سحرياً وتدريجياً في كيمياء الزمن وتفاعلات الأيام قد غير تركيبته الداخلية بالكامل، وأعاد ترتيب أولوياته دون استئذان.
نحن لا نولد صبورين، فالطفل يصرخ طالباً الحليب فوراً ولا ينتظر.
ولا نتعلم الصبر بقرار عقلي مفاجئ نتخذه ليلة رأس السنة.
الصبر، ذلك النوع العميق، والحقيقي، والراسخ، هو هدية الزمن الثمينة التي تأتينا مغلفة بتجارب الألم، والفقد، والانتظار الطويل، والخيبات المتتالية.
إنه ليس استسلاماً للعجز أو قلة حيلة، بل هو إدراك متأخر وحكيم بأن معظم معاركنا الطاحنة التي خضناها بشراسة وحرقنا فيها أعصابنا كانت في الحقيقة معارك وهمية ضد طواحين الهواء.
إنه اللحظة الفاصلة التي ندرك فيها بوضوح أن الصراخ العالي لا يوقف المطر، وأن القلق الساهر لا يعجل الشروق دقيقة واحدة.
هذا التحول الجذري من المحارب المنفعل الذي يقاتل كل شيء، إلى المراقب الحكيم الذي يفهم كل شيء، هو رحلة إنسانية مذهلة ومعقدة تستحق التأمل والدراسة.
كيف يتحول الإنسان من كائن مستعجل يريد كل شيء الآن وفوراً ، إلى كائن يزرع النخيل بهدوء وهو يعلم يقيناً أنه قد لا يعيش ليأكل من تمره، لكنه سعيد ومكتفٍ بمجرد متعة الغرس؟
سقوط وهم السيطرة: الدرس الأقسى والأجمل في مدرسة الحياة
أول وأعمق درس يلقننا إياه تقدم العمر بصرامة وحنان في آن واحد، والذي يورثنا صبراً يبدأ إجبارياً تحت وطأة الألم ثم يتحول إلى اختيار طوعي واعٍ، هو انقشاع سحابة وهم السيطرة .
تلك القناعة الراسخة التي كنا نعتنقها في ريعان الشباب، حين كنا نعيش في فورة القوة واكتمال الصحة، داخل فقاعة جميلة ووهمية، نعتقد فيها جازمين أننا نحن من يكتب قصة حياتنا وحده، وأننا من يوزع الأدوار ويحدد النهايات.
كنا نضع خططاً دقيقة للسنوات الخمس والعشر القادمة، ونرسم مسارات مفصلة لمستقبلنا المهني والعائلي كمن يرسم خريطة هندسية لا تقبل الخطأ.
وكنا نغضب جداً، وتثور ثائرتنا، بل ونشعر بالإهانة الشخصية العميقة، إذا تجرأ قطار الواقع وانحرف ولو قليلاً عن السكة الحديدية التي عبدناها له في خيالنا.
هذا الاعتقاد بالقدرة المطلقة والنهائية على التحكم في مجريات الأمور كان يجعلنا نفقد صبرنا أمام أي مفاجأة طارئة، لأننا كنا نرى المفاجآت والتعثرات كـ أخطاء في النظام يجب إصلاحها فوراً، وكـ إهانات موجهة لذكائنا وتخطيطنا المحكم.
ثم تأتي الحياة، بمعلمها الصامت والقاسي، وبمطرقتها الثقيلة والواقعية، لتهشم هذا الوهم اللذيذ.
تأتي على هيئة مرض مفاجئ يطرحنا الفراش لأيام أو أسابيع، ليذكرنا بضعف الجسد البشري الذي لا يملك من أمره شيئاً أمام فيروس لا يُرى بالعين المجردة.
أو تأتي على هيئة فقدان لوظيفة كنا نظنها أماننا الأبدي وحصننا المنيع، أو خذلان مرير وغير متوقع من صديق مقرب منحناه كل الثقة، أو حتى تأخر غير مفهوم في زواج أو إنجاب رغم توفر كل الأسباب المادية والصحية.
تتوالى الضربات والموجات العاتية التي تكسر مجدافنا الصغير وسط المحيط الهادر.
في البداية، وبحكم الطبيعة البشرية المتمردة، نقاوم بشراسة، ونغضب، ونرفض الواقع، ونسأل السماء بمرارة: لماذا أنا؟
لماذا الآن؟ .
لكن مع تكرار الدروس، ومع كل ندبة تتركها الأيام في أرواحنا، يبدأ النضج العاطفي في التسرب إلينا ببطء، ونعومة، وهدوء.
ندرك فجأة، في لحظة تجلٍّ وتواضع، أننا لسنا المخرجين ولا المؤلفين، بل نحن في الحقيقة ممثلون مجتهدون في مسرحية كونية كبرى، ومعقدة، ومتشابكة الخيوط، يديرها رب حكيم وقدر نافذ لا يخطئ.
ندرك أن عجلة الحياة أكبر، وأقوى، وأعقد بكثير من إرادتنا الصغيرة المحدودة.
نكتشف الحقيقة العارية: نحن نملك فقط السعي الصادق، و النية الطيبة، و الأخذ بالأسباب ، أما النتيجة النهائية و توقيت حدوثها، فهما خارج نطاق سيطرتنا تماماً، وهما ملك لمدبر الأمر.
هذا الإدراك العميق لا يورث اليأس، أو القنوط، أو التواكل كما قد يظن البعض للوهلة الأولى. بل على العكس تماماً، يورث التسليم والراحة النفسية العميقة.
والتسليم هنا هو أعلى وأرقى درجات الصبر البشري.
عندما تدرك بعمق ويقين أنك فعلت كل ما في وسعك وطاقتك، وأن النتيجة ليست بيدك، يحل في قلبك هدوء عجيب وسكينة لا توصف، كسكينة الطفل الذي ينام في حضن أمه وهو يعلم أنها تتولى أمره.
تصبح سعة الصدر حينها ليست تكلفاً أو تمثيلاً اجتماعياً، بل حالة طبيعية نابعة من معرفة حدودك البشرية والتصالح معها.
تتوقف عن نطح الصخر برأسك، وتتوقف عن محاولة كسر الأبواب المغلقة بالصراخ والبكاء، وتجلس بهدوء ووقار لانتظار المفتاح المناسب، أو للبحث عن نافذة بديلة قد يدخل منها الضوء، أو ربما تدرك بحكمة الشيوخ أن المكان خلف الباب لم يكن مناسباً لك أصلاً، وأن انغلاقه في وجهك كان رحمة خفية بك ولطفاً لم تدركه في حينه.
هذا النوع من الصبر ليس ضعفاً ولا انكساراً، بل هو تناغم ذكي وسلس مع إيقاع الكون الذي لا يعترف بالعجلة البشرية، ولا يخضع لقوانين رغباتنا الضيقة.
إعادة تعريف الخسارة: عندما تتضاءل الأشياء وتكبر الروح
في سنوات الفوران الأولى وعنفوان الشباب، كانت كل خسارة عابرة، مهما صغر حجمها، تبدو في أعيننا وكأنها نهاية العالم المحتومة وكارثة كونية لا عزاء لها.
خدش بسيط وعرضي في طلاء السيارة الجديدة كان كفيلاً بأن يعكر صفو أسبوع كامل، ويحرمنا لذة النوم، ويملأ البيت نكداً.
كلمة نقد عابرة أو جارحة من مدير في العمل أو زميل دراسة كانت تسبب لنا أرقاً طويلاً، واكتئاباً حاداً، وربما تدفعنا بتهور لكتابة استقالة فورية أو قطع علاقة قديمة.
حتى ضياع مبلغ مالي زهيد كان يشعرنا بتهديد الفقر وانهيار الأمان.
كنا في تلك المرحلة نرى الأشياء، والأحداث، والمواقف، بعدسة مكبرة دقيقة تضخم التفاصيل الصغيرة والتافهة مئات المرات، وتخفي عنا تماماً الصورة الكبيرة والبانورامية للحياة المتسعة.
كانت الذات لدينا متضخمة، وحساسة، وهشة كقشرة البيض، وسريعة العطب؛
أي ريح خفيفة تخدش كبرياءها الظاهر تثير عاصفة هوجاء من الغبار، والضجيج، والدفاع المستميت عن لا شيء.
اقرأ ايضا: لماذا ينهكنا الصراع مع العمر أكثر من العمر نفسه؟
ولكن، مع مرور السنين ببطء، وتراكم الخبرات طبقة فوق طبقة، وتتابع فصول الحياة حلوها ومرها على أعمارنا، تتغير العدسة التي نرى بها العالم تغييراً جذرياً وشاملاً.
نمر بفواجع حقيقية، ومؤلمة، وتترك أثراً لا يمحى؛
نفقد أحبة، وآباء، وأقارب وارهم التراب وودعناهم الوداع الأخير الذي لا لقاء بعده في هذه الدنيا.
نمر بأزمات مالية طاحنة تكسر ظهورنا ثم نتجاوزها ونقف من جديد أصلب عوداً. نرى أصدقاء ورفقاء درب خانتهم صحتهم فجأة في عمر الزهور وأقعدهم المرض.
أمام هيبة الموت الصامتة، وجلال الفقد الحقيقي الذي لا يعوض، وقسوة المرض الذي يذل الجسد، تتقزم وتتضاءل تلقائياً وتدريجياً كل تلك الأشياء والتفاصيل التي كنا نراها سابقاً كوارث و مصائب .
يعيد الموت ترتيب أولويات الأحياء بدقة قاسية لكنها عادلة.
يصبح خدش السيارة في نظرنا مجرد قطعة حديد باردة يمكن إصلاحها وتلميعها، أو حتى تركها كما هي دون أن تنقص من قيمتنا شيئاً.
وتصبح الكلمة الجارحة مجرد صوت عابر خرج من فم شخص مأزوم لا يمس جوهر قيمتنا ولا يخدش كرامتنا الحقيقية.
ويصبح المال وسيلة للعيش والستر لا غاية للعبادة والتقديس.
نكتسب بمرور الوقت ما يسمى بـ حكمة السنين ، وهي القدرة الفائقة والنادرة على القياس الدقيق؛
أي وضع كل شيء، وكل حدث، وكل شخص، في حجمه الطبيعي والحقيقي دون مبالغة في الفرح أو تهويل في الحزن.
هذا التصغير الواعي للمشاكل اليومية يمنحنا فائضاً هائلاً وثميناً من الصبر والطاقة الروحية.
لم نعد نستهلك طاقتنا العصبية والنفسية الثمينة في التوافه، والمعارك الجانبية، والجدال العقيم، لأننا عرفنا وتذوقنا شكل وطعم المصائب الكبرى الحقيقية التي تستحق البكاء.
أصبحنا مثل جنرال حكيم ومحنك يوفر ذخيرته وجنوده للمعارك الكبرى التي تستحق التضحية وتحدد المصير؛
لمعركة تربية ابن مراهق يحتاج للتوجيه، أو رعاية والد مسن يحتاج للحنان والصبر، أو الحفاظ على بيت دافئ من الانهيار، أو الحفاظ على صحتنا النفسية من التلوث.
اكتشاف هشاشة الآخرين: العذر يسبق الحكم
في مقتبل العمر وبدايات الانخراط في المجتمع، نميل لرؤية الناس كـ أدوار و وظائف لا كبشر من لحم ودم ومشاعر.
الموظف الحكومي هو آلة لإنجاز المعاملة بسرعة، الزوجة هي شريكة للمهام المنزلية والتربية، الصديق هو مصدر للدعم والترفيه.
نحكم عليهم بقسوة وصرامة بناءً على كفاءتهم وسرعتهم في أداء أدوارهم المرسومة في خيالنا، ونغضب بشدة، ونثور، ونقاطع إذا قصروا أو أخطأوا.
حكمنا حاد، وسريع، وقطعي: هذا مهمل ، هذا غبي ، هذا لا يحترمني ، هذا خائن .
لكن الزمن، معلمنا الصامت والصبور، يكشف لنا حقيقة مرعبة وجميلة في آن واحد: هشاشتنا نحن أولاً.
نمر بأيام سوداء نكون فيها نحن المقصرين، والضعفاء، والمخطئين، وغير المحتملين.
نخذل من نحب دون قصد، ننسى مواعيد مهمة، نغضب لأسباب تافهة، ونبكي بلا سبب.
نكتشف أننا جرحنا أناساً دون قصد لأننا كنا نتألم من الداخل.
هذه المعرفة الذاتية العميقة بضعفنا البشري تخلق جسراً متيناً من الرحمة و التعاطف تجاه الآخرين.
عندما نرى شخصاً يصرخ في وجهنا في الشارع، لم نعد نراه بمجرد النظرة السطحية كـ شخص وقح وسيء التربية ، بل يتجاوز بصرنا السلوك لنرى الألم خلفه، ونتساءل بفضول ورحمة: ما الذي يؤلمه بشدة ليجعله يصرخ هكذا؟
هل فقد عزيزاً؟
هل خسر ماله؟
هل يعاني من ضغط لا يحتمل؟ .
عندما نرى موظفاً بطيئاً أو شارد الذهن، لا نتهمه بالغباء فوراً، بل نتخيل ظروفه: ربما لم ينم طوال الليل بسبب طفل مريض، ربما لديه مشاكل ديون تفتك برأسه.
إدارة الغضب هنا لا تأتي من الكبت والضغط على الأسنان، بل تأتي من الفهم و الاستيعاب.
نصبح أكثر صبراً مع أخطاء البشر وزلاتهم لأننا رأينا الإنسان الضعيف والمطحون خلف القناع الاجتماعي الرسمي.
نلتمس الأعذار ليس سذاجة أو ضعفاً، بل لأننا نعرف يقيناً ثقل الحياة على الأكتاف.
ندرك الحقيقة الكونية بأن الجميع، بلا استثناء، يخوضون معارك شاقة وشرسة في خفاء لا نعرف عنها شيئاً.
هذه النظرة الرحيمة والمتفهمة تجعلنا نمتص غضب الآخرين وتوترهم كالإسفنج المبلل، لا نرد الصاع صاعين ولا الكلمة بكلمتين، بل نرد بهدوء وثبات من يعرف أن الشرارة لا تطفئها شرارة، بل يطفئها الماء البارد والكلمة الطيبة.
الصبر على الذات: التصالح مع الإيقاع الخاص
جانب آخر من الصبر الذي نكتسبه مع النضج هو الصبر على أنفسنا .
في الشباب، كنا نجلد ذواتنا بسياط النقد والمقارنة.
لماذا لم أنجح مثل فلان؟
لماذا تأخرت ترقيتي
؟ لماذا لا أملك بيتاً بعد؟
كنا في سباق محموم مع زمن وهمي ومعايير مجتمعية صارمة.
مع الوقت، ندرك أن لكل إنسان توقيته الخاص .
وأن الزهرة التي تتفتح في الربيع ليست أفضل من تلك التي تتفتح في الخريف، كلتاهما جميلة في وقتها.
هذا التصالح مع الذات ومع مسارنا الفريد في الحياة يمنحنا صبراً هائلاً على تعثراتنا الشخصية، وعلى بطء إنجازاتنا.
نتوقف عن جلد الذات، ونبدأ في تشجيعها، مدركين أن النمو عملية بطيئة وهادئة، كنمو الأشجار، لا تحدث بفرقعة الأصابع.
السكينة التي تغشى أرواحنا اليوم ليست نتاج صدفة، ولا هي استسلام لبرودة العمر، بل هي في نهاية المطاف رحلة طويلة من الانصهار تحت نار التجارب.
لقد علمتنا الأيام، بقسوتها ولينها، أن الصراخ لا يوقف المطر، وأن الغضب لا يحل العقد، وأن الثمار لا تنضج إلا إذا أخذت حقها من الوقت والشمس.
نحن لم نكبر في السنوات فحسب، بل كبرنا في المعنى ، وأدركنا أن تلك العواصف التي كانت تقتلع جذورنا وتؤرق منامنا بالأمس، ما هي إلا رياح عابرة، نحني لها رؤوسنا قليلاً اليوم لتمر بسلام، دون أن تخدش جدار طمأنينتنا.
فإذا وجدت في نفسك اليوم قدرةً مدهشة على التغافل لم تكن تملكها، وسعةً في الصدر تتسع لزلات الآخرين دون أن يحترق قلبك، فاعلم يقيناً أنك لم تفقد شغفك، ولم تنطفئ جذوتك، بل عثرت أخيراً على حكمتك الضالة.
هذا هو النضج الحقيقي؛
أن تدرك أن انتصارك الأعظم لا يكمن في علو صوتك في الجدال، ولا في إفحام الخصوم، بل يكمن في قدرتك على حماية تلك المساحة البيضاء في داخلك من التلوث بضجيج العالم ومعاركه الوهمية.
هذا الهدوء العميق هو إرثك الثمين، وحصاد مواسم الزرع والصبر الطويلة؛
فاحتضنه بقوة، واجعل منه درعك وحصنك.
اقرأ ايضا: لماذا تصبح أكثر هدوءًا كلما تقدّم وعيك؟
ففي نهاية المطاف، لا شيء يعادل أن يضع الإنسان رأسه على الوسادة مساءً، وهو خفيف الروح، سليم الصدر، يمتلك قلباً راضياً يعرف أن ما عند الله باقٍ، وأن كل ما دون ذلك إلى زوال.