لماذا يخون الطيبون أنفسهم وهم يظنون أنهم يحسنون للآخرين؟

لماذا يخون الطيبون أنفسهم وهم يظنون أنهم يحسنون للآخرين؟

إنسان مختلف بذات قوة

في إحدى الأمسيات العائلية المعتادة، والمشحونة بتفاصيل الحياة اليومية، جلس  يوسف  على طرف الأريكة في صالون منزله المزدحم، والابتسامة الباهتة والمصطنعة تعلو وجهه الشاحب، بينما كان داخله يغلي كالمرجل المكتوم.

شخص يقف بهدوء خلف بوابة مفتوحة جزئيًا ترمز لوضع حدود نفسية صحية
شخص يقف بهدوء خلف بوابة مفتوحة جزئيًا ترمز لوضع حدود نفسية صحية

في تلك اللحظة، طلب منه ابن عمه، بنبرة مستهترة ومعتادة، سلفة مالية بسيطة للمرة الثالثة هذا الشهر، وهو يعلم يقيناً في قرارة نفسه أنها لن تُرد كما سابقاتها، وأنها ستنضم لقائمة الديون المعدومة التي يخجل من المطالبة بها.

 وفي الزاوية الأخرى من الغرفة، كانشت خالته المحبة والمسيطرة ترتب له بصوت عالٍ وحماسي موعداً لزيارة عائلية لا يرغب بها مطلقاً في يوم إجازته الوحيد، وهو يومئ برأسه موافقاً بصوت خافت وخجول، قائلاً:  حاضر، كما تحبين .

كان يوسف يشعر في تلك اللحظات وكأنه أرض مشاع، حديقة عامة بلا أسوار، يعبرها الجميع بأحذيتهم الموحلة دون استئذان، يتركون فيها آثار أقدامهم، وفوضاهم، وبقايا طعامهم، ثم يرحلون ضاحكين دون حتى تكليف أنفسهم عناء إغلاق البوابة الخلفية وراءهم.
في تلك الليلة الكئيبة، عاد يوسف إلى غرفة نومه وهو يشعر بثقل هائل وجاثم فوق صدره، ثقل لا يفسره التعب الجسدي.

 لم يكن الألم بسبب المال الضائع أو الزيارة الثقيلة، بل كان بسبب ذلك الشعور القاسي والممض بـ  الخيانة ؛

 خيانة نفسه.

كان يدرك بمرارة العلقم أن لطفه الزائد لم يعد فضيلة أخلاقية كما كان يظن، بل تحول إلى  قيد  حديدي يدمي معصميه، وأن صمته الطويل لم يكن  صبراً وحكمة، بل كان تآكلاً بطيئاً وممنهجاً لكرامته واحترامه لذاته أمام نفسه قبل الآخرين.

نحن نعيش، للأسف، في ثقافة مجتمعية تمتدح  التضحية  بشكل مفرط، وتبالغ في تقدير  نكران الذات  حتى ننسى تماماً أن للذات حقاً أصيلاً ومقدساً في الوجود والحماية.

نتربى منذ نعومة أظفارنا في البيوت والمدارس على أن كلمة  لا  هي  عيب ، ومرادف للأنانية، أو العقوق،
أو التكبر، أو قلة الذوق.

نكبر وتكبر معنا قناعة مشوهة وخطيرة مفادها أن  الحدود الشخصية  هي  إعلان حرب  نشنه على الآخرين، وأن حماية مساحتنا الخاصة والنفسية تعني بالضرورة طرد الناس منها ومعاداتهم.
ونتيجة لهذا التشوه المعرفي والتربوي، نتأرجح في علاقاتنا الإنسانية والمهنية بين قطبين مدمرين ومتطرفين: إما أن نكون  ممسحة أرجل  يمسح الجميع فيها أخطاءهم، وطلباتهم، ومزاجهم السيئ (وهو دور الضحية الدائم)، أو نتحول فجأة -وتحت ضغط الانفجار النفسي- إلى  قنافذ شائكة  وعدوانية تجرح وتؤذي كل من يقترب منها، حتى لو كان محباً (وهو دور الجلاد).

المعضلة الحقيقية والوجودية التي تواجه يوسف، وملايين غيره من الطيبين، ليست في رغبتهم الفطرية بمساعدة الناس والخير، بل في عجزهم المزمن عن التمييز الدقيق بين  اللطف   و الضعف  

. اللطف هو خيار واعٍ يمنحه القوي المقتدر لمن يستحق، أما الضعف فهو اضطرار وقهر يقبله العاجز خوفاً من المواجهة.

 وحين نعجز عن رسم حدودنا بوضوح، نحن لا نؤذي أنفسنا ونحرق أعصابنا فقط، بل -وهذا هو الأخطر-  نفسد  الآخرين أيضاً؛

 نعلمهم الاتكالية، ونسمح لهم بالتطاول والتمادي، ونبني معهم علاقات هشة، ومشوهة، وقائمة على الاستغلال الصامت لا على الود والاحترام المتبادل.

أسطورة اللطف القاتل: لماذا نخاف حتى الموت من حماية أنفسنا؟

الجذر الأول والعميق للمشكلة يكمن في تعريفنا المغلوط، والساذج أحياناً، لمفهوم  الطيبة  و الإنسان الخلوق .

لقد رسخ في لا وعينا الجمعي وثقافتنا الشعبية أن الشخص الطيب  ابن الحلال  هو الشخص المتاح دائماً، الذي لا يغضب أبداً، ولا يعترض، ولا يرفع صوته، ولا يرفض طلباً لأحد مهما كان، حتى لو كان على حساب صحته.

هذا التعريف الرومانسي ليس وصفاً لإنسان بشري سوي، بل هو وصف لـ  العدم  أو لـ  الملاك  الذي لا احتياجات له. الإنسان، بطبيعته البيولوجية والنفسية، كيان  محدود ؛

محدود الطاقة، ومحدود الوقت، ومحدود القدرة على التحمل.

 عندما تحاول، بوعي أو بدون، أن تكون متاحاً للجميع طوال الوقت، وتلبي كل الرغبات، فأنت في الحقيقة تعلن  فناؤك  واحتراقك الذاتي.

تخيل قصة  سعاد ، الموظفة المتفانية والمثالية التي تحمل أعباء زملائها الكسالى في العمل بابتسامة، وتعود لبيتها منهكة لتقوم بمهام أسرتها وأسرة زوجها الممتدة دون شكوى، ثم تسهر ليلاً لتستمع لشكوى صديقتها المطلقة عبر الهاتف حتى ساعات الفجر الأولى.

سعاد تعتقد، بقلبها الطيب، أنها تشتري محبتهم ورضاهم بهذا البذل اللامحدود، لكنها في الحقيقة، ودون أن تدري، تشتري  احتقارهم الخفي  واستهانتهم بها.
الناس، بطبيعتهم البشرية النفعية (إلا من رحم ربي)، لا يقدرون حق التقدير ما يُمنح لهم بلا ثمن، وبلا جهد، وبلا حدود.

الشيء المتاح دائماً والمجاني يفقد قيمته وبريقه.

وحين تسقط سعاد مريضة يوماً ما، أو تعتذر عن خدمة بسيطة لمرة واحدة، ستفاجأ وتصدم بحجم اللوم، والعتاب، والغضب الموجه إليها، لأنها عودتهم بلسان حالها أن تكون  آلة  لا تتعطل، لا  إنساناً  يمرض ويتعب.

الخوف العميق من رسم الحدود ينبع غالباً من  عقدة الخوف من الهجر .

 في عمق  الطفل الداخلي  لكل شخص يعاني من ضعف الحدود، توجد قناعة قديمة ومؤلمة تقول:  إذا قلت لا، أو اعترضت، سيكرهونني، ويغضبون مني، ويتركونني وحيداً ومنبوذاً .

 هذا الخوف الطفولي يجعلنا نشتري  القبول الاجتماعي  والانتماء بعملة باهظة جداً ومكلفة، وهي  راحتنا النفسية  وصحتنا الجسدية.

لكن الحقيقة المرة والمحررة التي نكتشفها متأخرين هي أن العلاقات التي تنتهي أو تنهار بمجرد أن نقول  لا  مرة واحدة، هي علاقات  لم تكن حقيقية  أصلاً، بل كانت علاقات  طفيلية  ومصلحية تتغذى بدم بارد على ضعفنا وخوفنا.

 الحدود الشخصية  ليست عقاباً، ولا انتقاماً، ولا لؤماً نمارسه على الآخرين، بل هي  دليل استخدام ضروري نقدمه لهم ليعرفوا كيف يحبوننا بذكاء ويحترموننا بصدق.

عندما تضع حدوداً واضحة، أنت تخبر الطرف الآخر برسالة ضمنية:  هذا ما أقبله ويريحني، وهذا ما يؤذيني ويزعجني .

 بدون هذا الدليل الواضح، سيتخبط الناس في الظلام أثناء التعامل معك، وقد يؤذونك بعنف دون قصد (لأنهم لا يعرفون)، أو يستغلونك بقصد وخبث (لأنهم وجدوا الباب مفتوحاً).

 رسم الحدود هو عمل أخلاقي نبيل تجاه نفسك أولاً، وتجاه الآخرين ثانياً، لأنه يمنع تراكم  الاستياء الصامت  والحقد الذي ينتهي عادة بانفجار مدمر وانهيار مفاجئ للعلاقات التي كنا نحرص عليها.

الحزم الهادئ: عندما يكون الصوت المنخفض أقوى من الصراخ

كثير منا، بسبب البرمجة الخاطئة، يخلط خلطاً فادحاً بين  الحزم و العدوانية  .

 نعتقد واهمين أنه لكي نضع حداً لشخص ما، يجب أن نغضب، ونقطب جبيننا، ونصرخ، ونقلب الطاولة، ونستخدم كلمات قاسية.

 وهذا الاعتقاد نابع من أننا غالباً لا نبدأ برسم الحدود إلا بعد أن نصل لمرحلة  الغليان  والانفجار.

عندما تكبت عشرات  اللاءات  الصغيرة في صدرك لسنوات، ستخرج  اللا  الكبيرة والنهائية على شكل  ستخرج اللا الكبيرة على هيئة انفجار يفسد العلاقة ويجرح الطرفين.
لكن الفن الحقيقي، والمهارة التي تميز  الإنسان القوي والراقي ، تكمن في  الحزم الهادئ .

الحزم هو أن تكون ثابتاً، وراسخاً، وعميق الجذور كالجبل، لا هائجاً ومدمراً كالإعصار.

هو القدرة الفائقة على قول الحقيقة بوضوح تام، وبصوت طبيعي وهادئ، ودون الحاجة لتبريرات طويلة ومملة، أو اعتذارات مهترئة ومذلة.
تخيل الفرق الشاسع في التأثير بين شخص يصرخ في وجه زملائه:  أنتم دائماً تستغلونني!

 أنا لست خادماً لديكم!

 هذا ظلم!  

اقرأ ايضا: لماذا يخسر من يرد بسرعة بينما يربح من يصمت؟

(هنا يظهر كضحية هستيرية)، وبين شخص آخر يقول بهدوء شديد، ونظرة ثابتة في العين، وابتسامة خفيفة:  أعتذر يا شباب، لن أتمكن من القيام بهذه المهمة الإضافية اليوم لأن جدولي ممتلئ تماماً، يمكننا مناقشة الأمر وتوزيعه في اجتماع الأسبوع القادم .
الأول يعبر عن ضعف، وقلة حيلة، وضغط نفسي مغلف بالغضب والصوت العالي.

 والثاني يعبر عن قوة، وثقة، وسيطرة على الذات والموقف، مغلفة بالاحترام والأدب.

العدوانية هي  هجوم  على الآخر وانتهاك له، بينما الحزم هو  دفاع  مشروع عن الذات وحماية لها.

في العدوانية أنت تحاول إجبار الآخر والسيطرة عليه ليفعل ما تريد، أما في الحزم فأنت تخبر الآخر بوضوح بما ستفعله  أنت  وما لن تفعله.

هذا التحول الجوهري في التركيز من  محاولة السيطرة على الآخرين  (وهو مستحيل) إلى  السيطرة على الذات وقراراتها  (وهو ممكن) هو جوهر الحدود الصحية والناضجة.

لا يمكنك، مهما فعلت، منع الناس من طلب الأشياء منك، أو من محاولة تجاوز حدودك واختبارها، لكن يمكنك ببراعة وحكمة أن تتحكم في  استجابتك  ورد فعلك.

اختبار الغربلة: كيف تتعامل مع  تمرد المستفيدين ؟

عندما تبدأ رحلة التشافي وتبدأ في رسم حدودك لأول مرة، خاصة إذا كنت معتاداً طوال عمرك على التنازل وقول  نعم ، لا تتوقع بسذاجة أن يصفق لك الجميع ويهنئوك على قوتك الجديدة.

على العكس تماماً، ستواجه ما يسمى بـ  تمرد المستفيدين .

الأشخاص الذين كانوا يستفيدون لسنوات من غياب حدودك، والذين بنوا راحتهم ورفاهيتهم على حساب تعبك ووقتك، سيكونون أول من يعترض، ويغضب، ويقاوم، وربما يتهمك بالأنانية، أو التغير للأسوأ، أو الجحود.

تخيل صديقنا  أحمد  الذي قرر أخيراً التوقف عن إقراض المال لأصدقائه المستهترين الذين لا يسددون.

 في اللحظة التي قال فيها  لا  لأول مرة وبأدب، واجه سيلاً من اللوم والعتاب:  تغيرت يا أحمد، لم نعد نعرفك، أصبحت مادياً وبخيلاً، هل نسيت العشرة؟ .

 هذه اللحظة الحرجة هي  الاختبار الحقيقي  والعملي لصلابة حدودك ومدى جديتك.

 الكثير من الناس يتراجعون وينهارون هنا تحت وطأة  الشعور بالذنب  والضغط العاطفي، ويعودون لسابق عهدهم.

لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها أحمد هي أن رد فعلهم الغاضب والمبالغ فيه هو الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن الحدود كانت ضرورية جداً، وأن الاستغلال كان قائماً بالفعل.

ردود أفعال الناس تجاه حدودك الجديدة هي  مصفاة  فعالة جداً ودقيقة لغربلة علاقاتك وتنظيف حياتك.

الصنف الأول: الشخص الذي يحبك ويحترمك حقاً لشخصك لا لمصلحته، قد يتفاجأ في البداية من تغييرك، لكنه سرعان ما سيتفهم ويحترم رغبتك، وسيعدل سلوكه لأنه يهتم براحتك وسعادتك، ولا يريد خسارتك.

هؤلاء هم  الذهب  الذي يجب الاحتفاظ به.

الصنف الثاني: الشخص الذي كان يستغلك ويعتبرك  مصدراً  لا  صديقاً ، فسيحاول كسر الحدود بشتى الطرق الملتوية: تارة بالابتزاز العاطفي (أنا فعلت الكثير من أجلك وأنت ترد الجميل هكذا)، وتارة بالتهديد المبطن (سأقطع علاقتي بك وأبحث عن غيرك)، وتارة بلعب دور الضحية المسكينة.

هؤلاء هم  الشوائب  التي يجب أن ترحل بسلام.

هنا يجب أن تدرك وتؤمن بعمق أنك لست مسؤولاً عن مشاعرهم تجاه حدودك.

 مسؤوليتك الوحيدة هي إيصال الحدود باحترام ووضوح، ومسؤوليتهم هم هي التعامل مع خيبة أملهم وتوقعاتهم غير الواقعية.

لا تشرب السم بنفسك لترويهم هم.

الحديقة الداخلية: صيانة الروح لتبقى معطاءة ومثمرة

ومن منظور فلسفي وروحي أعمق، يجب أن نفهم أن حماية الحدود ليست هدفاً نهائياً بحد ذاتها، بل هي  وسيلة  لغاية أسمى وأخلد: الحفاظ على  الحديقة الداخلية  لروحك مزهرة، وخضراء، ومثمرة.

  الاستنزاف العاطفي  الذي ينتج عن غياب الحدود يحولنا تدريجياً لأراضٍ قاحلة، وجافة، ومتشققة، وغير قادرة على العطاء الحقيقي أو الحب الصادق.

كيف يمكنك، بمنطق الفيزياء والروح، أن تسقي عطش الآخرين وكأسك فارغ ومثقوب؟

الحدود هي  السياج  الجميل والضروري الذي يحمي زهورك النادرة من الدهس العشوائي، ويحمي ثمارك الناضجة من السرقة والنهب، لتتمكن أنت في الوقت المناسب من قطفها وإهدائها لمن يستحق، ولمن يقدر، وعن طيب خاطر وحب.
هناك فرق شاسع وجوهري بين نوعين من العطاء:

العطاء من امتلاء: وهو العطاء الذي يأتي من فيض وفائض، تمنحه وأنت مبتسم وراضي. هذا العطاء فيه روح، وحب، وبركة، ويصل للقلوب.

العطاء من انتزاع: وهو العطاء الذي يأتي من إكراه، وضغط، وخوف،  تمنحه وأنت تتألم وتضيق به صدراً.  

هذا العطاء فيه منة، وثقل، ونفاق خفي، ويفسد العلاقات.

أن تحمي حدودك يعني أنك تحمي  رأس مالك  الحقيقي: قدرتك على الحب، وقدرتك على العمل، وقدرتك على الإبداع والرحمة.

يعني أنك تصون الأمانة الغالية التي أودعها الله فيك: جسدك الذي سيسألك عنه، ونفسك التي كلفك بتزكيتها، ووقتك الذي هو عمرك.
 التوازن النفسي  لا يتحقق بالصدفة، بل يتحقق عندما تتساوى كفتا الأخذ والعطاء، وعندما يكون لك مساحة خاصة، ومقدسة، ومحرمة على الآخرين، تعود إليها يومياً لتتشافى، وتصلي، وتقرأ، وتعيد شحن طاقتك بعيداً عن ضجيج العالم ومطالبه التي لا تنتهي.

لا تشعر بالذنب أبداً لأنك تختار نفسك وتفضل راحتها أحياناً.

في تعليمات السلامة بالطائرات، يخبرونك بقاعدة ذهبية للحياة:  ضع قناع الأكسجين لنفسك أولاً قبل أن تساعد طفلك أو جارك .

 هذه ليست أنانية قبيحة، هذه  حكمة البقاء  والقدرة على النفع.

إذا اختنقت أنت ومت، فلن تتمكن من مساعدة طفلك ولا جارك.

 كذلك في الحياة، إذا سمحت للآخرين باستهلاكك تماماً واستنزافك حتى آخر قطرة، فسينتهي بك الأمر عاجزاً، ومريضاً، ومريراً، وكارهاً للناس، وغير نافع لنفسك أو لغيرك.

الحدود هي فعل حب ناضج؛

 حب للذات أولاً، وحب للآخرين ثانياً، لأنها تضمن استمرار العلاقة بصحة وعافية لسنوات طويلة.

في نهاية هذه الرحلة داخل ذواتنا، ندرك أن صيانة النفس ليست اعتزالاً للحياة ولا هروباً إلى قمم الجبال الباردة، بل هي فن  هندسة المسافات .

 نحن لم نُخلق لنعيش في جزر معزولة، فأرواحنا تذبل بلا وصل، وتجف بلا دفء المشاركة الإنسانية؛

لكن الوصل لا يعني الذوبان، والقرب لا يعني انتهاك الحرمات.

الغاية الأسمى ليست بناء أسوار شائكة تحجب عنا الضوء والناس، بل تشييد  بوابات بصيرة  نملك نحن وحدنا حق فتحها وإغلاقها.

 تلك الحدود الصحية هي الغربال الدقيق الذي يسمح بمرور المحبة الصادقة، والنصح الأمين، والكلمة الطيبة، بينما يصد بحزمٍ هادئ كل ريحٍ سامة، وكل تطفلٍ يؤذي سكينة الروح.

 إنها ذلك الخيط الرفيع غير المرئي الذي يحفظ كرامة  الأنا  ويحترم خصوصية  الآخر ، لنلتقي كأقمار مكتملة تضيء لبعضها الطريق، لا كظلال باهتة تعيش على التبعية.

ولتكن هذه القاعدة نبراساً لك:  أنت المربي الأول لمن حولك في كيفية التعامل معك .

 ففي كل مرة تخون فيها صوتك الداخلي وتقبل ما ترفضه روحك خجلاً أو خوفاً، أنت تعطي إذناً صامتاً بالتجاوز.

اقرأ ايضا: لماذا يحطم النقد بعض الناس بينما يصنع آخرين؟

 وفي كل مرة ترسم فيها خطاً بمداد من اللطف والحزم، أنت تضع حجر أساس للاحترام المتبادل.

 فكن حارساً يقظاً على ثغور قلبك، واعلم أن تقديرك لذاتك هو الرسالة الصامتة التي يقرؤها العالم في عينيك قبل أن تنطق بها شفتاك.

لمن يفضّل التعلم المنهجي بدل التشتت، تضم منصة دوراتك مواد رقمية تساعد على بناء هذاالوعي خطوة بخطوة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال