لماذا لا يسمع الطفل التوجيه عندما لا يشعر بالقبول؟

لماذا لا يسمع الطفل التوجيه عندما لا يشعر بالقبول؟

من الطفولة إلى المراهقة


أهمية القبول العاطفي للطفل قبل التوجيه السلوكي
أهمية القبول العاطفي للطفل قبل التوجيه السلوكي

في غمرة انشغالاتنا اليومية وسعينا الحثيث لتأمين مستقبل أبنائنا المادي والأكاديمي، وفي خضم المعارك الصغيرة التي نخوضها يومياً لفرض النظام، وحل الواجبات المدرسية، وتعديل السلوكيات المزعجة، 
نغفل غالباً عن الحقيقة الكونية الأكثر رسوخاً في علم النفس البشري: وهي أن الإنسان، كائناً من كان، وسواء كان طفلاً يحبو أو شيخاً طاعناً في السن، لا يمكنه أن يتعلم أو يتطور أو يستجيب للنصح إلا إذا شعر أولاً بالأمان العاطفي والانتماء غير المشروط.

 تخيل للحظة أنك تقف أمام مرآة مكسورة تحاول إصلاح هندامك؛

مهما حاولت، ستبقى الصورة مشوهة.

 هكذا تماماً هي محاولاتنا لتوجيه أطفالنا وتقويم سلوكياتهم بينما مرآة نفوسهم تشعر بالشرخ والرفض.

 إننا نندفع بكلماتنا وتوجيهاتنا، مدفوعين بخوفنا الفطري عليهم ورغبتنا الصادقة في رؤيتهم أفضل النسخ الممكنة من أنفسهم، لكننا نصطدم بجدار صلب من العناد، أو التجاهل، أو الانطواء، ونتساءل بحيرة:

لماذا لا يسمعون الكلام؟ .

 الإجابة لا تكمن في ضعف لغة الحوار، ولا في قلة الحزم، بل تكمن في الترتيب الخاطئ للأولويات.

 لقد حاولنا زراعة البذور قبل حرث الأرض وريها؛ حاولنا التوجيه قبل القبول، وهذا مخالف لقوانين الطبيعة النفسية.

 إن الطفل يحتاج أن يشعر بأنه  محبوب لذاته  قبل أن يُطلب منه أن يكون  جيداً في سلوكه .

البيولوجيا العصبية للقبول: كيف يترجم الدماغ لغة الرفض إلى تهديد وجودي؟

لكي نستوعب أبعاد هذه المعضلة التربوية ونخرج من دائرة اللوم المتبادل، يتحتم علينا أن نغادر السطح التربوي التقليدي ونغوص بروية في أعماق  غرفة العمليات  المركزية: الدماغ البشري.

 هذا العضو المعقد ليس مجرد وعاء سلبي نملؤه بالمعلومات والأوامر والنواهي، بل هو جهاز بيولوجي فائق التطور، بُرمج عبر آلاف السنين لغاية أساسية واحدة تسبق غاية التعلم، وهي: ضمان البقاء.

 في العصور القديمة، كان ابتعاد الطفل عن والديه أو نبذه من القبيلة يعني الموت المحتم جوعاً أو افتراساً؛ ورغم تطور الحضارة، لم يتغير التركيب التشريحي لدماغ الطفل المعاصر، فما زال يفسر  الرفض العاطفي  بنفس الطريقة البدائية القاسية.

عندما يواجه الطفل سيلاً من الانتقادات اللاذعة، أو يلمح نظرات خيبة الأمل في عيون والديه، أو يتعرض لصراخ متكرر ونبرة صوت حادة، فإن  اللوزة الدماغية  -وهي المركز المسئول عن رصد الخطر في الدماغ البدائي- تطلق صفارات الإنذار فوراً.

 بالنسبة للجهاز العصبي للطفل، الذي يعتمد وجودياً وبيولوجياً على والديه للحماية والرعاية، فإن شعوره بعدم القبول أو التهديد بالنبذ لا يُصنف كحدث اجتماعي محرج، بل يُصنف كخطر يهدد الحياة يوازي في شدته رؤية وحش مفترس يستعد للهجوم.

 في أجزاء من الثانية، وقبل أن يعي الطفل ما يحدث، يغرق دماغه في طوفان من كيميائيات التوتر؛ يتدفق  الكورتيزول  و الأدرينالين  في عروقه، وتتسارع دقات قلبه، وتتشنج عضلاته، ويدخل في حالة استنفار قصوى تعرف علمياً باستجابة  الكر أو الفر أو التجمد .

في خضم هذه العاصفة الفسيولوجية الهوجاء، تحدث ظاهرة خطيرة يجهلها كثير من المربين وتسمى  الخطف العاطفي .

 حيث تقوم مراكز الخوف في الدماغ السفلي بقطع خطوط الاتصال مع  الفص الجبهي  في الدماغ العلوي.

 وهذا الفص الجبهي هو المسؤول عن أرقى العمليات العقلية: التفكير المنطقي، والتحليل، والتحكم 

في الانفعالات، والتعلم من الأخطاء، وفهم العواقب.

 بمعنى آخر أكثر دقة وإيلاماً: عندما تصرخ في وجه طفلك لتعديل سلوكه وأنت في قمة غضبك، 

وهو في قمة خوفه، فإن الجزء المسؤول عن  التعلم والاستيعاب  في دماغه قد تم إطفاؤه تماماً،

 مثل جهاز كمبيوتر فصلت عنه الكهرباء فجأة.

 الطفل في تلك اللحظة لا يعاندك، ولا يتجاهلك، بل هو  عاجز بيولوجياً عن معالجة المعلومات المعقدة 

أو استيعاب الدروس الأخلاقية.

 هو يسمع ضجيجاً، ويرى ملامح مكفهرة، ويشعر برعب يسري في جسده، لكن عقله الواعي مغلق للصيانة الطارئة حتى يزول الخطر.

على النقيض تماماً، نجد المعجزة الكيميائية التي يحدثها القبول.

 عندما يشعر الطفل بالأمان العاطفي، وأن مكانته محفوظة مهما أخطأ، يفرز دماغه كوكتيل 

من هرمونات الترابط والسكينة، وعلى رأسها  الأوكسيتوسين  (هرمون الحب) و الدوبامين  (ناقل المكافأة).

 هذه المواد الكيميائية تعمل كمهدئ طبيعي لجرس الإنذار في اللوزة الدماغية، وتعيد بناء جسور التواصل العصبي بين الدماغ العاطفي والدماغ العقلاني.

 في هذه الحالة، التي نسميها  حالة الاستقبال المرنة ، تكون القشرة الدماغية في أوج نشاطها، وقادرة 

على تشكيل مسارات عصبية جديدة، وهو ما يعني  التعلم .

 القبول هنا ليس رفاهية، ولا هو نوع من التدليل الزائد، بل هو  السماد العضوي  الضروري لنمو الوصلات العصبية السليمة.

 بدون هذه الأرضية البيولوجية من الأمان، يصبح التوجيه التربوي مثل الكتابة على سطح الماء؛ قد يحدث أثراً لحظياً (طاعة خوف)، لكنه يزول بمجرد زوال المؤثر، ولا يتحول أبداً إلى قناعة داخلية راسخة أو ضمير حي يوجه الطفل في غياب الرقيب.

وهم الكمال والاشتراط: عندما يصبح الحب مشروطاً بالإنجاز

واحدة من أعظم المآسي التربوية التي نشهدها في مجتمعاتنا المعاصرة هي تحول الحب الأبوي -دون وعي- من حب فطري غير مشروط إلى  صفقة تجارية  خفية.

 الرسالة الضمنية التي تصل للأبناء هي:  أنا أحبك إذا حصلت على درجات عالية ،  أنا أقبلك إذا كنت مطيعاً وهادئاً ،  أنت ابني المفضل طالما أنك لا تحرجني أمام الضيوف .

 هذا الحب المشروط يخلق فجوة هائلة في التكوين النفسي للطفل تسمى  قلق الأداء .

اقرأ ايضا: لماذا يؤذي إنكار خوف الطفل أكثر من الخوف نفسه؟

 يعيش الطفل حياته كلها وهو يركض فوق جهاز سير متحرك، يلهث محاولاً إثبات جدارته بالحب، ومحاولاً طمس حقيقته الإنسانية المليئة بالأخطاء والعيوب الطبيعية لكي ينال الرضا.

لنأخذ مثالاً حياً يتكرر في البيوت؛  كريم ، طفل ذكي لكنه يميل للفوضى وكره الروتين، بينما والده عسكري صارم يقدس النظام.

 يقضي الوالد سنوات طفولة كريم وهو يحاول  إصلاحه ، منتقداً فوضويته، ومقارناً إياه بأقرانه المرتبين، معتقداً أنه بذلك يوجهه نحو الأفضل.

 ما وصل لكريم لم يكن رغبة والده في النظام، بل وصلته رسالة مدمرة تقول:  نسختك الحالية غير مقبولة، طبيعتك معيبة، أنت مشروع فاشل يحتاج لإعادة تأهيل .

 النتيجة الحتمية ليست أن كريم أصبح منظماً، بل أصبح كارهاً لذاته، وفاقداً للثقة، وربما متمرداً على النظام بأكمله كنوع من الدفاع عن هويته المستباحة.

 لو بدأ الوالد بالقبول، وقال:  يا بني، أنا أحب روحك المنطلقة وإبداعك الذي يظهر في هذه الفوضى،

 لكننا نحتاج لبعض النظام لكي ننجح ، لاختلف الأمر تماماً.

 القبول يعني أن تحتضن  الخامة  الأصلية لطفلك كما هي، ثم تساعده على صقلها، لا أن تحاول استبدالها بخامة أخرى لا وجود لها إلا في خيالك.

الفصل الجراحي بين الكينونة والسلوك: سر التربية الناجحة

إن العقبة الكبرى التي يواجهها المربون في تطبيق مبدأ  القبول قبل التوجيه  هي الخلط المفاهيمي الشائع بين  قبول الطفل  و الموافقة على سلوكه الخاطئ .

 يعتقد البعض أن القبول يعني التساهل مع الخطأ، أو الابتسام في وجه التجاوزات، وهذا فهم قاصر وخطير.

 القبول النفسي هو عملية فصل جراحي دقيقة بين  الفاعل  و الفعل ، بين  الهوية  و السلوك .

 أنت تقبل ابنك كإنسان مكرم، وتحبه بملء قلبك، وفي الوقت ذاته، ترفض سلوكه الخاطئ بحزم ووضوح.

لنتخيل مشهداً تربوياً معقداً: طفلة تسرق قطعة حلوى من المتجر.

 رد الفعل التقليدي الممزوج بالرفض يكون بالصراخ:  أنتِ لصة! كيف تفعلين هذا؟ لقد فضحتنا! .

 هنا، ألصق الوالد تهمة  اللصوصية  بكيان الطفلة، مما يضرب شعورها بقيمتها الذاتية في مقتل، ويجعلها تتقمص دور  السيئة  مستقبلاً.

 أما النهج القائم على القبول والتوجيه فيكون باحتواء الموقف بهدوء، ثم الانفراد بالطفلة والقول:

 أنا أحبك جداً، وأعرف أنك فتاة أمينة وطيبة، لكن ما حدث اليوم تصرف خاطئ لا يشبهك ولا نقبله في عائلتنا.

 أخذ شيء ليس لنا هو سرقة، ونحن لا نسرق.

 دعينا نذهب لإعادة القطعة والاعتذار .

 في السيناريو الثاني، فصل الوالد بين حب ابنته (الذي بقي ثابتاً) وبين السلوك (الذي تم رفضه وتصحيحه).

 هذا الأسلوب يحفظ  ماء وجه  الطفل، ويسمح له بالنظر إلى خطئه كـ  عثرة  يمكن تجاوزها، وليس كـ  وصمة عار  أبدية.

 عندما يشعر الطفل أن رصيده من الحب لم ينقص بسبب خطئه، تتولد لديه شجاعة أدبية للاعتراف والاعتذار والتصحيح، لأن بيئة القبول هي البيئة الوحيدة الآمنة للنمو الأخلاقي.

الاستماع العميق كأداة للقبول: عندما نتكلم أقل ونفهم أكثر

كيف نترجم القبول من شعور قلبي إلى ممارسة يومية يلمسها الطفل؟ البوابة الملكية لذلك هي  الاستماع العميق والتعاطف .

 في كثير من الأحيان، عندما يأتينا الطفل شاكياً أو معترفاً بخطأ، تقفز غريزة  المصلح الاجتماعي  داخلنا، فنقاطعه لنلقي عليه المحاضرات والنصائح والحلول الجاهزة، وربما اللوم:  ألم أقل لك؟ ، 

كان يجب أن تفعل كذا .

 هذا التسرع في التوجيه يوصل رسالة للطفل مفادها:  مشاعرك غير مهمة، المهم هو الدرس الذي أريد تلقينك إياه .

 القبول يتطلب منا أن نغلق أفواهنا قليلاً، ونفتح آذاننا وقلوبنا على مصراعيها، لنسمع ليس فقط الكلمات، بل المشاعر الكامنة خلفها.

عندما يعود مراهق غاضباً من المدرسة ويقول  أنا أكره المعلم ، الرد التقليدي هو:  عيب، احترم معلمك .

 الرد القائم على القبول هو:  أرى أنك مستاء جداً، يبدو أن شيباً مزعجاً حدث اليوم، أخبرني عنه .

 هذا الانتقال البسيط من الحكم إلى الفضول، ومن القمع إلى التفهم، هو جوهر القبول.

 عندما يشعر الطفل أن مشاعره السلبية (الغضب، الغيرة، الخوف) مسموحة ومقبولة، فإنه يتعلم كيف يديرها بدلاً من كبتها.

 المفارقة العجيبة هي أنك عندما تتقبل مشاعر الطفل وتسمح له بالتعبير عنها، فإن حدتها تخف تلقائياً، ويصبح هو نفسه أقدر على التفكير في الحلول.

 القبول هنا يعمل كصمام أمان لتفريغ الضغط العاطفي، مما يمهد الطريق للعقل ليعود للعمل.

 إن أذكى استثمار تربوي يمكنك القيام به هو تخصيص دقائق يومية للاستماع لطفلك دون حكم، 

ودون نصيحة، ودون مقاطعة.

 مجرد وجودك الكامل معه، بعينين مصغيتين وقلب مفتوح، يملأ خزان القبول لديه ويجعله محصناً نفسياً

 ضد تحديات الحياة.

بناء الثقة والهوية الذاتية: القبول كحجر زاوية للشخصية

إن الآثار بعيدة المدى للقبول غير المشروط تتجاوز مجرد الطاعة الآنية أو الهدوء المنزلي؛ إنها تمتد لتشكل النواة الصلبة لشخصية الإنسان في المستقبل.

 الطفل الذي ينشأ في بيئة يشعر فيها بالقبول يطور ما يسميه علماء النفس  التقدير الذاتي الصحي .

 هذا الطفل يدرك في قرارة نفسه أنه  كافٍ  وذو قيمة، لا بسبب ما ينجزه أو يملكه، بل لمجرد كونه إنساناً.

 هذا الإدراك هو الدرع الأقوى الذي يحميه في مراهقته وشبابه من الانجراف خلف ضغوط الأقران،

 أو السعي المرضي لإرضاء الآخرين، أو الوقوع في فخاخ العلاقات السامة التي تستنزفه.

على الجانب الآخر، الطفل الذي حرم من القبول ونشأ تحت وطأة النقد والتوجيه الجاف، يكبر وهو يحمل  فجوة  في روحه، ويقضي عمره يتسول القبول من العالم الخارجي؛ تراه يبحث عنه في عدد اللايكات

 على منصات التواصل، أو في الانقياد الأعمى لأصدقاء السوء، أو في العمل القهري حتى الاحتراق.

 إن صوت الوالدين الداخلي يتحول مع الوقت ليكون  الصوت الداخلي  للطفل.

 إذا كان صوتك مليئاً بالقبول والرحمة، سيكون صوت طفلك الداخلي رحيماً بنفسه عند الفشل، 

محفزاً لها عند الصعاب.

 وإذا كان صوتك ناقداً وجارحاً، سيتحول إلى جلاد داخلي يجلد الطفل مع كل هفوة، ويورثه القلق والاكتئاب.

 التوجيه التربوي ضروري، لكنه مثل الديكور والطلاء للجدران، أما القبول فهو الأساس الخرساني والحديد المسلح.

 لا قيمة لأجمل النصائح إذا كان البناء الداخلي للإنسان هشاً وآيلاً للسقوط.

التربية بالاحتواء: إعادة تعريف السلطة الوالدية

يحتاج المفهوم التقليدي للسلطة الوالدية إلى إعادة تعريف جذرية في ضوء هذه الفلسفة.

 السلطة الحقيقية ليست هي القدرة على الإجبار والتحكم، بل هي القدرة على التأثير والإلهام.

 والطفل لا يقتدي بمن يخافه، بل يقتدي بمن يحبه ويشعر بالأمان قربه.

 عندما تسبق التوجيه بالقبول، فإنك تنقل علاقتك بطفلك من خانة  الشرطي والمتهم إلى خانة المدرب واللاعب  أو  القائد والجندي .

 في النموذج الأول، العلاقة مبنية على الخوف والمراوغة؛ الطفل يطيع فقط طالما الشرطي موجود.

 في النموذج الثاني، العلاقة مبنية على الثقة والولاء؛ اللاعب يبذل قصارى جهده ليس خوفاً من المدرب، 

بل ثقةً في حكمته ورغبة في إسعاده ولأنه يعلم أن المدرب حريص على مصلحته.

هذا التحول يتطلب من الوالدين قدراً عالياً من النضج العاطفي وضبط النفس.

 يتطلب أن نكبح جماح رغبتنا في  إصلاح  الموقف فوراً، وأن نتحمل قلقنا من أخطاء أبنائنا، لنعطيهم المساحة للتعلم.

 يتطلب أن نتذكر في لحظات الغضب أن العلاقة أهم من المشكلة، وأن كسب قلب الطفل أهم من كسب الموقف.

 عندما يكسر المراهق الثقة، فإن التحدي ليس في كيفية عقابه،

 بل في كيفية إشعاره بأن هذا الخطأ لا يعني نهاية العالم، وأننا موجودون لمساعدته على النهوض لا لدهسه وهو ساقط.

 هذه هي القيادة الوالدية الحكيمة التي تخرج جيلاً قوياً، واثقاً، ومسؤولاً، 

لا جيلاً منكسراً أو منافقاً يتقن فن إخفاء الأخطاء.

دعوة للعودة إلى الفطرة الإنسانية في التربية

في نهاية المطاف، نجد أن العودة إلى مبدأ  القبول قبل التوجيه  هي في جوهرها عودة إلى الفطرة الإنسانية السليمة، وإلى أصل معاني الرحمة والمودة التي قامت عليها الأسرة.

 إن أطفالنا ليسوا مشاريع استثمارية ننتظر عوائدها، ولا هم عجينة نشكلها كما نهوى لنتباهى بها أمام المجتمع؛

 هم ضيوف كرام وأمانات غالية، لهم شخصياتهم المستقلة، وأقدارهم الخاصة، ورحلاتهم الفريدة في هذه الحياة.

 دورنا ليس التحكم في مسار الرحلة، بل تزويدهم بالزاد النفسي والروحي الذي يعينهم على مشاق الطريق.

 وزادهم الأول والأهم هو اليقين التام بأن لديهم ملجأً آمناً، وصدراً دافئاً، وقلباً يتسع لهم بكل حالاتهم.

عندما نغمر أطفالنا بالقبول، فإننا لا نمنحهم مجرد شعور جيد، بل نمنحهم  الحصانة .

 حصانة ضد الانكسار، وحصانة ضد الابتزاز العاطفي، وحصانة ضد ضياع الهوية.

 فلنحاول، ولو لمرة واحدة، أن ننظر في عيون أطفالنا عند الخطأ نظرة حب قبل نظرة العتاب، ولنسمع تبريراتهم قبل أن نصدر أحكامنا، ولنحتضن خوفهم قبل أن نصحح سلوكهم.

اقرأ ايضا: ما الذي يتعلمه الطفل من ردود فعلك لا أوامرك؟

 حينها فقط، سنشهد المعجزة التربوية الحقيقية؛ حين يتحول الطفل من  مشكلة تحتاج لحل  إلى  إنسان يزهر وينمو ، وحين يصبح التوجيه مجرد همسة محبة في أذن واعية، بدلاً من أن يكون صراخاً ضائعاً في وادٍ سحيق.

 إن الطريق إلى عقل الطفل يمر حتماً عبر قلبه، ومن لا يملك مفتاح القلب، لن يفتح أبواب العقل 

مهما طَرَقها بقوة.

هذا المسار الفكري تتناوله منصة دوراتك ضمن محتوى رقمي موجه لمن يسعى إلى تطوير ذاته بوعي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال