لماذا يشعر ابنك بالأمان خارج البيت أكثر مما يشعر به داخله؟
من الطفولة إلى المراهقة

مراهق يجلس بهدوء في غرفته ممسكًا بهاتفه بينما يقف والداه في الخلفية بقلق يعكس فجوة عاطفية غير مرئية
الصدمة الواعية
تكتشف فجأة أن ابنك الذي كنت تظنه يحكي لك كل شيء، أصبح يحكي كل شيء لغيرك.
تلمح في شاشة هاتفه أسماء لا تعرفها، ورسائل طويلة لا تشبه ردوده القصيرة معك.
تراه يبتسم لجواب صديق بعيد، بينما يرد عليك بكلمات مقتضبة وكأنك عبء على يومه.
تسمع ضحكته العالية من وراء الباب وهو يتحدث مع شخص لا تراه، ثم يدخل عليك شاحب الملامح، متوتر النبرة، متحفظاً في كل كلمة.
تفاجأ بأن أسراره الصغيرة لم تعد تمر من خلالك، وأن خيبة أمله لا يلقيها على كتفك كما كان يفعل طفلاً،
بل يدفنها في حضن مجموعة من الأقران أو في غرفة دردشة مجهولة.
فجأة تدرك أن هناك مساحة كاملة في قلب المراهق لا تحمل بصمتك.
يحكي للغرباء عن أوجاعه، ويشاركهم تساؤلاته، بينما أنت، الذي حملته طفلاً وربّيته، تقف على العتبة تسمع ضجيج عالم لا يسمح لك بالدخول إليه.
في تلك اللحظة المؤلمة لا تسأل نفسك فقط مع من يتكلم؟ ، بل يلسعك سؤال أعمق بكثير:
متى خرج من دائرتي دون أن أشعر؟ .
تعميق الصراع
هذا المراهق الذي يجلس أمامك الآن ليس غريباً تماماً،
لكن ملامحه النفسية لم تعد مألوفة كما كانت في طفولته.
تراه يعود إلى البيت عابساً، يدفن رأسه في هاتفه أو حاسوبه، يرد على أسئلتك بأقل قدر من الكلمات،
ثم ينفجر فجأة لأتفه سبب.
تشعر أنه يعيش في عالمين متوازيين؛ جسده في بيتك، لكنه قلباً وعقلاً في مكان آخر.
حين تحاول أن تقترب، إما أن يغلق الباب في وجه الحديث بتبرير مشغول ، أو يواجهك برد قاسٍ لا يشبه قلبه الذي عرفته صغيراً.
أنت لا ترى فقط سلوكه، بل تشعر بتوتر داخله.
تشعر بالتيه في عينيه، ببحثه الدائم عن مكان يشعر فيه أنه مفهوم.
تراقبه وهو يطيل الجلوس خارج المنزل بحجج كثيرة، مرة زيارة صديق، مرة نشاط مدرسي، مرة تجمع عادي .
وكل مرة يعود وفي عينيه أثر انتماء لم تشاركه أنت في صناعته.
في داخلك صراع لا يقل شدة عن صراعه.
بين خوف حقيقي من أن ينزلق في دوائر لا ترضى عنها، وبين رغبة صادقة في الحفاظ على ما تبقى
من علاقة طبيعية معه.
تتساءل: هل تشدد أكثر فأغلق الأبواب، أم ألين فأخسره؟ كل كلمة تقولها تحسب لها ألف حساب.
تخاف أن يكون الحزم طرداً، واللين ضعفاً.
في نفس الوقت، هو أيضاً يعيش معركة صامتة.
اقرأ ايضا: هدوء ابنك ليس دائمًا طمأنينة… قد يكون استغاثة صامتة
يشعر أنه محكوم سابقاً عليه قبل أن يتكلم، يخشى أن يتحول كل اعتراف إلى محاضرة، وكل سؤال
إلى تحقيق.
فيجد في الخارج من يسمعه دون أن يقاطعه، ومن يشاركه همومه دون أن يحاكمه.
يشدّه ذلك الاحتواء السهل، حتى إن كان سطحياً أو مضطرباً.
أنت تراه يبتعد، لكنه في داخله لا يزال يبحث عن حضن آمن، فقط لم يعد متأكداً أن هذا الحضن هو أسرته.
السبب الحقيقي
لماذا يمد المراهق يده نحو الاحتواء خارج أسرته، وهو في الأصل كائن بدأ حياته متعلقاً بأمه وأبيه لا يرى الأمان إلا فيهما؟ الظاهر أن السبب هو فساد الصحبة أو إغراء العالم الخارجي ،
لكن الجذر أعمق من ذلك بكثير.
المراهق لا يترك بيتاً يجد فيه قبوله بالكامل من أجل مغامرة فقط، بل غالباً يغادر بحثاً عن شيء افتقده
أو ظن أنه غير متاح داخل أسرته.
في العمق، ما يحركه هو حاجته الفطرية والشديدة إلى أن يُرى كما هو، وأن يُسمع دون مقاطعة،
وأن يُصدق شعوره حتى لو اختلف الكبار مع رأيه.
منذ الطفولة، يتشكل في داخله قاموس خاص عن إلى من أذهب عندما أتألم .
إن كان في كل مرة يبكي فيها يُسكت قبل أن يشرح، وفي كل مرة يعترف بخطئه يُهان قبل أن يُفهم،
وفي كل مرة يسأل سؤالاً حساساً يُتهم قبل أن يُجاب، فإنه يتعلم ببطء أن البيت ليس مكاناً آمناً لمشاعره العميقة.
يكبر وفي داخله ملف كامل من التجارب الصغيرة التي تقول له: احذر، الحديث معهم مكلف .
في المقابل، يجد في الخارج مساحة مختلفة، أحياناً لدى أصدقاء يعيشون نفس المرحلة، وأحياناً لدى أشخاص كبار لكنهم أقل حكماً وأكثر استماعاً.
ما يجذبه ليس مجرد الحرية، بل الإحساس بأنه مقبول رغم فوضويته .
السبب الحقيقي إذاً ليس فقط ضعف الرقابة الأسرية أو شدة المغريات، بل خلل عميق في لغة التواصل داخل البيت.
حين تتحول الجلسات العائلية إلى موعظة من طرف واحد، والحوارات إلى أوامر، والأسئلة إلى تهم،
يكون من الطبيعي أن يبحث المراهق عن إطار آخر لا يشعر فيه أنه دائماً في قفص الاتهام.
الاحتواء لا يعني الموافقة على كل شيء،
لكنه يعني على الأقل أن يجد مساحة ليحكي دون أن يشعر بأنه سيتلقى ضربة مباشرة بعد كل كلمة.
زاوية غير وقعة
الفكرة المنتشرة تقول إن المراهق يهرب من أسرته لأنه لا يحبها، أو لأنه ناكِر للجميل ،
أو لأنه لا يقدّر تضحيات والديه.
هذه صورة قاسية لا تصمد أمام النظر العميق.
في كثير من الحالات، المراهق الذي يطلب الاحتواء خارج أسرته يكون في داخله متعلّقاً بأهله أكثر مما يظهر.
هو لا يبحث عن بديل للعائلة، بل عن تعويض لنقص في وظيفة من وظائفها.
الزاوية غير المتوقعة هنا هي أن بعض الأسر التي تبدو مثالية من الخارج، مرتبة، ملتزمة، قائمة بالواجبات المادية، قد تكون أكثر عرضة لأن يبحث أبناؤها عن الاحتواء خارجها، لأن الجو العام فيها يغلب عليه الأداء
لا القرب.
حين ينشأ الطفل في بيت لا يُخطئ أهله أمامه أبداً، ولا يعتذرون له إذا ظلموه، ولا يكشفون له جانبهم الإنساني الضعيف، فقد يشعر أنه وحده المضطرب في هذا البيت الكامل.
يبحث عند أصدقائه عن أشخاص يعترفون بضعفهم فيرتاح.
كذلك الأسر التي تجعل كل علاقة مع أبنائها تمر من خلال المستوى الدراسي أو الالتزام بالسلوك ،
حيث لا يُفتح باب الحديث إلا لمدح نجاح أو ذم تقصير.
في مثل هذا المناخ، يصبح الاحتواء مشروطاً بالإنجاز، فيتعلم المراهق أن يخفي فشله عنهم،
وأن يحمل إخفاقاته إلى مكان آخر لا يربط قيمته بدرجاته أو تصرف واحد بدرجة محبته.
الزاوية المفاجئة أيضاً أن بعض الآباء والأمهات، من شدة حرصهم على أبنائهم،
يغلقون على أنفسهم باب أن يكونوا بشراً بالنسبة لهم، فيفقدون قدرتهم على أن يكونوا حضناً.
الحِضن ليس فقط من يوجه ويصحح، بل من يستطيع أن يقول لابنه أنا أيضاً أخاف، أنا أيضاً أخطئ ،
فيشعر المراهق حينها أن الانتماء لهذا البيت لا يتطلب الكمال.
حين يغيب هذا المعنى، يبحث عنه في مكان آخر، حتى لو كان أقل أماناً.
ماذا يحدث لو استمر الوضع
عندما يستمر شعور المراهق بأن الاحتواء الحقيقي يوجد خارج أسرته، يتغير مسار حياته دون أن يشعر أحد بسرعة.
يبدأ أولاً بنقل أسراره خطوة خطوة إلى الخارج.
في البداية يحكي لصديق عن موقف أزعجه في البيت، ثم عن خوف، ثم عن علاقة، ثم عن خطأ أكبر لا يجرؤ على الاعتراف به أمام أهله.
تتسع دائرة من يعرفون عالمه الداخلي، وتضيق دائرة الأسرة التي لا تعرف عنه إلا قشرته اليومية.
هذا الانفصال العاطفي التدريجي يصنع شرخاً خفياً، قد لا يظهر في الخروج والدخول، لكنه واضح في حجم الثقة المتبادلة.
في كل مرة يلجأ فيها للخارج دون أهله، يرسل رسالة لنفسه تقول لا أستطيع أن أكون أنا معهم .
هذه الرسالة تتكرر حتى تصبح قناعة راسخة.
على المدى البعيد، يؤدي هذا إلى هشاشة في انتمائه العميق للأسرة.
قد يبقى مسؤولاً عنهم مادياً، يحترمهم، يزورهم، لكنه في اللحظات المفصلية من حياته لا يعود إليهم لطلب المشورة أو الدعم.
يبحث عن رأي صديق، أو مجموعة، أو حتى شخص مجهول عبر شاشة.
هذا النزيف الصامت للمكانة التربوية للأسرة يجعل قراراته الكبرى معرضة لتأثيرات لا تنضبط بقيم البيت
ولا بدينه.
قد ينجو أحياناً بفضل عناية من الله، لكن الخطر يظل قائماً.
كذلك، الأسرة نفسها تبدأ في الإحساس بأن ابنها لا يسمع الكلام ، فتزيد من نبرة التوبيخ أو التهديد، فيرتفع الحاجز أكثر.
يدور الجميع في حلقة مفرغة، كل طرف يفسر سلوك الآخر بأسوأ تفسير، بينما الجذر مهمل.
الخطر الأكبر أن هذا النموذج ينتقل عبر الأجيال، فالمراهق الذي لم يجد احتواء في بيته، قد يكرر دون
وعي نفس الطريقة مع أبنائه مستقبلاً، لأنه لم يتعلم كيف يكون حاضناً وهو طفل.
وهكذا يتحول غياب الاحتواء من مشكلة شخصية إلى نمط عائلي يتوارثه الجميع.
التحول
التحول الحقيقي يبدأ عندما يُعاد تعريف معنى الاحتواء داخل الأسرة.
ليس على مستوى الشعارات، بل على مستوى المشهد اليومي.
أن يدرك الوالدان أن دورهما لا يقتصر على التربية بمعنى الأوامر والنواهي، ولا على تأمين الطعام والدراسة، بل يمتد إلى أن يكونا مكاناً يمكن للمراهق أن يضع فيه قلبه دون تزوير.
هذا الإدراك يغيّر طريقة النظر إلى غضبه وتمرده.
بدلاً من أن يُرى فقط كتحدٍ للسلطة، يمكن أن يُفهم أحياناً كصراخ من أجل أن يُسمع.
حين ينظر الأب إلى ابنه المراهق، لا كخصم ينازعه السيطرة، بل كطفل يكبر ويحتاج مساحة ليجرّب ويخطئ
دون أن يُقصى، يبدأ قلبه يلين، ولو بقيت قواعد البيت ثابتة.
في المقابل، المراهق نفسه حين يلتقط أي إشارة صادقة بأن أهله يحاولون أن يفهموه، ولو لم ينجحوا تماماً، يشعر بأن باباً فُتح ولو قليلاً.
التحول لا يعني أن البيت يصبح بلا حدود، ولا أن يُترك له الحبل على الغارب، بل يعني أن لغة الحوار تتغير
من أنت مخطئ إذن أنت سيئ إلى أنت مخطئ لكننا معك .
حين يشعر بذلك، يقل سعيه الحثيث لطلب الانتماء في أماكن أخرى، حتى لو بقي محتاجاً لرفقة أقرانه.
الاحتواء الأسري لا يمنع المراهق من تكوين علاقات خارجية صحية، لكنه يمنع هذه العلاقات من أن تصبح بديلاً عن البيت.
عندما يقف في قلبه يقين أن لديه مكاناً يعود إليه مهما حدث، تقل رهبة الاعتراف بالحقيقة،
ويخف وزن الأسرار، ويظل خيط غير مرئي يربطه بعائلته مهما ابتعد جسداً.
التطبيق العملي العميق
تغيير العمق يبدأ بخطوات ذهنية هادئة قبل أن يكون قرارات سلوكية.
أول خطوة أن يراجع الوالدان صورتهم في ذهن المراهق كما ظهرت من خلال مواقف سابقة.
يسأل كل واحد نفسه بصراحة: إذا أخطأ ابني في أمر كبير، هل أول ما سيشعر به لو فكر أن يخبرني هو الأمان أم الخوف؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يكشف الفارق بين الجو الذي نظنه في البيت، والجو الذي يعيشه الابن فعلاً.
حين يدرك الأب أو الأم أنهم دائماً يظهرون في مشهد الحكم الأخير وليس في مشهد الكتف الذي يُبكى عليه ، يمكن أن يبدأ تغيير داخلي في طريقة التفاعل.
التغيير هنا ليس تنازلاً عن المبادئ، بل انتقال من أسلوب صدامي إلى أسلوب يحتوي الخطأ وهو ينكره.
خطوة أخرى عميقة هي أن تعود الأسرة إلى عادة قديمة بسيطة: الجلوس بلا مهام جانبية.
مائدة تجمعهم دون شاشات، مجلس قصير يتبادلون فيه اليوميات دون تحقيق.
في هذه اللحظات، إن أحسن الوالدان الإصغاء، سيتسرب من كلام المراهق ما يعكس عالمه الداخلي.
المهم أن لا تتحول كل جملة يقولها إلى مناسبة لتعليم فوري.
أحياناً أعظم ما يمكن أن يقدمه الأب أو الأم هو أن يقول أفهم أنك تشعر بذلك قبل أي توجيه.
هذه الجملة، إن خرجت من قلب صادق، تُشعر المراهق أنه غير مضطر لتزييف شعوره حتى يُقبل.
كذلك، من التطبيقات الذهنية المهمة أن يميز الكبار بين الرفض لسلوك معين وبين رفض الشخص نفسه .
حين يعبرون عن استيائهم من خطأ ما، من دون أن يُسقطوا محبتهم الكلية، يرسلون رسالة عميقة أن البيت يرفض الفعل لا الإنسان.
هذه الرسالة إذا تكررت، تجعل المراهق أقل ميلاً للبحث عن حضن بديل يقدمه الآخرون مشروطاً باتباعهم.
مثال أصلي
كان مروان في الخامسة عشرة حين بدأت أمه تشعر أنه يتغير بشكل لا تفهمه.
كان طفلاً قريباً منها، يحكي لها تفاصيل يومه في المدرسة، ويستشيرها في صداقاته.
لكن في عام واحد فقط، أصبح معظم حديثه monosyllabic، يرد بحرف أو كلمتين، ثم يغلق الباب على نفسه.
لاحظت أنه أصبح يقضي وقتاً أطول خارج المنزل، إما مع زملائه أو في أنشطة لم تكن موجودة في جدول يومه سابقاً.
في البداية ظنت أن الأمر مجرد مرحلة مراهقة عابرة ، حتى جاء اليوم الذي سمعت فيه اسمه في مشكلة وقعت بين مجموعة من الشباب.
لم يكن متورطاً في شيء كبير، لكنه كان موجوداً في الدائرة.
حين واجهته، انفجر غاضباً قائلاً إنه لا يجد في البيت إلا اللوم وإنه مهما فعل لا يرضيهم.
كانت كلماته قاسية، لكنها كانت تحمل شيئاً من الحقيقة التي آلمتها أكثر من المشكلة نفسها.
في تلك الليلة جلست أم مروان تتذكر كيف كانت ردود فعلها في السنوات الأخيرة.
أدركت أنها، من خوفها عليه، كانت تستقبله دائماً بأسئلة عن الدراسة، وعن الصلاة، وعن سلوكه،
وأنها نادراً ما سألته: كيف حالك حقاً؟ .
تذكرت كم مرة قاطعته وهو يحاول أن يحكي لها شيئاً لأنه بدأ بجملة لم تعجبها، أو لأنه استخدم كلمة أثارت خوفها.
في الصباح، بدلاً من أن تواصل التوبيخ، دخلت عليه غرفته وجلست بهدوء.
قالت له جملة واحدة مختلفة عما اعتاده منها: أريد أن أفهمك، لا أن أحاكمك،
ولو احتجت إلى أحد تسمع له دون أن يحكم عليك فأنا أريد أن أكون هذه الإنسانة .
لم ينفتح مروان فوراً، لكن شيئاً في نظرته تغير.
في نهاية المطاف، إذا كان المراهق يرحل بقلبه إلى من يمنحه شعور أنا مفهوم حتى وأنا غير مرتب ،
فإلى أي حد يسمح مناخ البيت لأبنائه أن يكونوا غير مرتبِين أمامه دون أن يخافوا من فقدان الحب،