لماذا يحرق الغضب البعض… ويصنع الألم وعيًا عند آخرين؟

 لماذا يحرق الغضب البعض… ويصنع الألم وعيًا عند آخرين؟

إنسان مختلف بذات القوة

هل تساءلت يوماً لماذا يخرج البعض من المحن أقوى وأكثر حكمة، وكأنهم ولدوا من جديد، بينما يخرج آخرون منها محطمين، تائهين، وناقمين على الحياة والقدر؟

شخص يجلس بهدوء بعد تجربة مؤلمة مع تعبير يعكس الوعي والسكينة الداخلية
شخص يجلس بهدوء بعد تجربة مؤلمة مع تعبير يعكس الوعي والسكينة الداخلية

 تخيل للحظة أنك تمسك بجمرة مشتعلة في راحة يدك؛

رد الفعل الغريزي والفوري هو الصراخ، الغضب، ومحاولة رميها بعشوائية في أي اتجاه، مما قد يؤدي لإحراق ثيابك أو إيذاء من حولك دون قصد.

 ولكن، ماذا لو علمت يقيناً أن هذه الجمرة نفسها، بحرارتها اللاذعة، يمكن أن تكون الوقود الوحيد الذي يضيء طريقك في أشد الليالي ظلمة وبرودة؟

 الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن الألم ليس عدواً متربصاً كما توهمنا الثقافة السائدة والدراما التلفزيونية، بل هو  رسول ملكي  يحمل رسالة عاجلة وشديدة الخصوصية من أعماق ذاتك تطالب بالتغيير الفوري.

 المشكلة الجوهرية ليست في وجود الألم ذاته، فهو سنة كونية لا مفر منها، بل تكمن المشكلة في  ترجمتنا الخاطئة  له، وتحويله بجهل منا إلى غضب أعمى يحرق الأخضر واليابس.

مشكلتك الحقيقية والحعميقة تكمن في برمجتك الذهنية التي تعامل الألم كـ  خطأ تقني  في نظام حياتك يجب إصلاحه أو استئصاله فوراً، أو كـ  إهانة شخصية  من القدر تستوجب الرد عليها بالسخط والتمرد.

 هذا التفسير القاصر يبقيك سجيناً مدى الحياة داخل زنزانة ضيقة، تدور فيها في حلقة مفرغة من اللوم، والشكوى، ولعب دور الضحية، مما يستنزف طاقتك الروحية والذهنية التي كان يمكن استثمارها في بناء واقع جديد ومشرق.

 وعدي لك في هذا المقال المطول والعميق هو أن نغير هذه المعادلة الخاسرة جذرياً.

 لن نكتفي بالنصائح السطحية، بل سنأخذ بيدك خطوة بخطوة، لنفكك شفرة الألم المعقدة، ونعلمك تقنيات نفسية وروحية متقدمة تجعلك تستقبل الصدمات لا كضحية مغلوبة على أمرها، بل كـ  كيميائي  ماهر وحكيم، يتقن فن تحويل الرصاص النفسي الثقيل والسام إلى ذهب خالص من الحكمة والوعي، لتبني حياة جديدة أكثر صلابة، وسلاماً، ورضاً.

الاستراتيجية.

فك الارتباط بين الحدث والاستجابة العاطفية

الحقيقة أن الخطوة الأولى والأساسية لتحويل الألم إلى وعي تبدأ بإدراك ما يسميه الحكماء  المسافة المقدسة ؛ تلك المساحة الزمنية والشعورية الفاصلة بين ما يحدث لك (الفعل) وبين رد فعلك عليه.

 في غياب الوعي، تندمج هاتان المرحلتان لتصبحا شيئاً واحداً، فتظن أن الغضب هو النتيجة الحتمية والوحيدة للألم.

 الغضب هنا يلعب دور  الحارس الشرس  الذي يقف على باب الألم ليمنعنا من مواجهة هشاشتنا وشعورنا بالضعف، لكنه في الحقيقة حارس أحمق يعمينا عن الرؤية الصحيحة ويورطنا في معارك جانبية خاسرة.

 استراتيجية  فك الارتباط  تعني أن تتوقف تماماً عن رؤية الألم كهجوم شخصي موجه ضد كرامتك، وتبدأ برؤيته كحدث مجرد ومحايد يحمل في طياته معلومات وبيانات ضرورية لنموك.

 عندما يغدر بك شريك عمل وثقت به، الغضب البدائي يصرخ في رأسك:  هو شرير خائن وأنا ضحية مسكينة ، بينما الوعي الهادئ يقول:  هناك خلل ما في معايير اختياراتي للأشخاص، أو ربما في طريقتي لتوثيق العقود وضمان الحقوق، وهذا درس باهظ الثمن دفعت قيمته ويجب أن أستوعبه بالكامل .

لنغوص أكثر بمثال واقعي يوضح الفرق بين المسارين:  ياسر  و عمار ، شابان طموحان تعرضا لنفس الموقف الصادم، وهو الطرد التعسفي المفاجئ من الوظيفة في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

 ياسر اختار طريق الغضب؛ قضى ستة أشهر كاملة يلعن المدير، ويشتم سياسات الشركة، ويسب الظروف والبلد، غارقاً في مستنقع من الغضب الذي دمره صحياً، وتسبب له في قرحة معدية، بل وأغلق في وجهه أبواب الفرص الجديدة لأنه كان يذهب لمقابلات العمل بروح عدائية وطاقة سلبية ينفر منها الجميع.

 لقد أصبح  ياسر  هو العقبة الأكبر في طريق  ياسر .

في المقابل، عمار سمح لنفسه بالحزن الطبيعي لأيام معدودة، بكى فيها وفرغ شحنة الألم، ثم قرر تفعيل استراتيجية  فك الارتباط .

 فصل بين  ذاته  وبين  الحدث .

 سأل نفسه بصدق وتجرد:  بعيداً عن ظلمهم، ما هي المهارة التي نقصتني وجعلت الاستغناء عني سهلاً؟ ما هي إشارات الخطر المبكرة التي تجاهلتها؟ .

 تحول ألمه من مطرقة تهشم رأسه إلى وقود محرك يدفعه لتعلم مهارة تقنية نادرة، وبعد عام واحد من الدراسة والعمل المستقل، أسس مشروعه الخاص الذي كان يحلم به.

 ياسر استهلكه الغضب فصار رماداً، وعمار أنقذه الوعي فصار شعلة.

 الفارق لم يكن في الحدث، بل في الاستراتيجية الذهنية للتعامل معه.

نصيحتي العملية لك لتطبيق هذه الاستراتيجية هي ممارسة تمرين  المراقب الخفي .

 عندما تلسعك نار الألم في موقف ما، وقبل أن تنطق بكلمة أو تتخذ أي تصرف، تخيل ذهنياً أنك تخرج من جسدك وتقف في زاوية الغرفة تراقب  نسختك المتألمة  من بعيد.

 صف ما تشعر به بكلمات محايدة ومجردة، كأنك طبيب يصف حالة مريض:  أنا أرى هذا الشخص الآن يشعر بضيق شديد في الصدر، واحمرار في الوجه، وتسارع في الأنفاس، والسبب هو كلمة جارحة سمعها من فلان .

 مجرد قيامك بوصف المشاعر بدقة وموضوعية يقلل فوراً من سيطرة الجزء الانفعالي (اللوزة الدماغية) وينشط الجزء التحليلي والمنطقي في مقدمة الدماغ.

 هذه الثواني القليلة من المراقبة هي التي تصنع الفارق الهائل بين رد فعل متهور يندم عليه صاحبه سنوات، وبين استجابة واعية ورزينة تبني مستقبلاً وتفرض الاحترام.

التنفيذ.

تحويل الطاقة من  التدمير  إلى  التساؤل

ما لا يخبرك به أحد، وتغفله الكثير من دورات التنمية الذاتية، هو أن الغضب والألم هما في جوهرهما وجهان لعملة واحدة هي  الطاقة العالية .

 قانون حفظ الطاقة يخبرنا أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى.

 أنت لا يمكنك إلغاء طاقة الغضب الهائلة التي تتولد لحظة الصدمة، لكنك تملك الخيار في تحويل مسارها: إما نحو التدمير الخارجي والداخلي، وإما نحو البناء والاستكشاف.

 التنفيذ العملي للوعي يتطلب منك استبدال  جمل التقرير والإقرار  بـ  جمل التساؤل والبحث .

 جمل التقرير السلبية مثل  أنا إنسان فاشل ،  حظي سيء دائماً ، أو  الحياة غير عادلة وظالمة  هي بمثابة جدران اسمنتية سميكة تغلق عقلك عن البحث عن الحلول.

 أما الأسئلة الذكية فهي نوافذ مشرعة تفتح آفاقاً جديدة وتجبر الدماغ على البحث عن إجابات.

 الوعي باختصار هو عملية طرح الأسئلة الصحيحة في الوقت الصعب.

اقرأ ايضا: لماذا يخرج بعض الناس من الخسارة أصلب مما كانوا؟

 بدلاً من السؤال الطفولي العاجز  لماذا أنا؟،

 اسأل السؤال القيادي  ماذا بعد؟

  و ماذا يمكن أن يعلمني هذا الموقف؟ .

تخيل المشهد التالي لتقريب الصورة: أنت سائق تقود سيارتك بسرعة على طريق سريع، وفجأة انفجر الإطار بصوت مرعب.

 الغضب البدائي يجعلك تنزل من السيارة، تركل الإطار الممزق بقدمك، تصرخ في الطريق، وربما تضرب المقود بيدك.

 هل سيصلح هذا الإطار؟ بالطبع لا، بل قد يكسر قدمك أو يدك فتزيد المصيبة مصيبتين.

 الوعي، في المقابل، يجعلك توجه هذه الطاقة المتفجرة نحو سؤال عملي:  أين الرافعة؟ هل الإطار الاحتياطي جاهز؟ كيف أبدل الإطار بأسرع وقت وأكثر أمان لأكمل رحلتي؟ .

 في رحلة الحياة، الألم هو لحظة انفجار الإطار.

 والوقوف للعويل والبكاء على الإطار الممزق لن يقربك متراً واحداً من وجهتك.

قصة  سعيد  تلهمنا درساً بليغاً في هذا السياق؛

 رجل جمع مدخرات عمره لمدة عشرين عاماً ووضعها في مشروع تجاري، لكنه خسره بالكامل في أشهر معدودة بسبب ثقته المفرطة والعمياء في شريك غير أمين لم يكتب معه عقوداً موثقة.

 كاد الغضب والحسرة يقتلانه حرفياً، ودخل في دوامة من الاكتئاب، لكنه في لحظة صفاء قرر تحويل مسار الطاقة.

 جلس وحيداً وكتب سؤالاً واحداً على ورقة بيضاء:  كيف أحمي نفسي قانونياً ومالياً في المرة القادمة، وكيف أحمي الآخرين من هذا الفخ؟ .

 تحول هذا السؤال إلى رحلة بحث ودراسة نهمة للقانون التجاري والإدارة المالية، واليوم،  سعيد  ليس مجرد تاجر، بل هو مستشار مالي وقانوني مرموق يساعد مئات الشباب على تجنب نفس الفخ الذي وقع فيه.

 الألم هنا لم يذهب سدى، بل تحول إلى مهنة، ورسالة، ومصدر رزق جديد.

إليك خطوة عملية حاسمة ومنهجية للتطبيق:  تدوين التفريغ والتحليل .

 في ذروة لحظة الألم، احذر أن تتحدث مع أحد، فالكلمات في هذه اللحظة تكون كالسهام المسمومة.

 بدلاً من ذلك، تحدث مع الورقة.

 خصص دفتراً لهذا الغرض.

 في الصفحات الأولى، اكتب كل مشاعر الغضب، والشتائم، واللوم، والعتب (هذا يسمى التفريغ العاطفي)، اكتب حتى تجف دموعك ويهدأ نبضك.

 ثم في صفحة جديدة ونظيفة، ابدأ مرحلة التحليل البارد.

 ارسم جدولاً بسيطاً من عمودين: العمود الأول بعنوان  ما لا أستطيع تغييره  (مثل: الماضي، وقوع المصيبة، طباع الآخرين، تصرفاتهم)، والعمود الثاني بعنوان  ما أستطيع تغييره والتحكم فيه  (مثل: رد فعلي الحالي، تفسيري للموقف، خطواتي القادمة، مهاراتي التي تحتاج تطوير).

 ركز كل ذرة من طاقتك وجهدك على العمود الثاني فقط، وتجاهل العمود الأول تماماً لأنه أصبح تاريخاً.

 هذا التمرين البسيط والقوي ينقل عقلك فورياً من حالة  الطوارئ العاطفية  والعجز، إلى حالة  التخطيط الاستراتيجي  والقدرة، ويمنحك شعوراً فورياً بالسيطرة على زمام حياتك، وهو الشعور الذي يفتقده الغاضب واليائس بشدة.

الأدوات والأمثلة.

 صندوق الإسعافات الأولية للروح

السر الذي يميز الأشخاص ذوي النضج النفسي العالي والثبات الانفعالي هو أنهم لا يواجهون عواصف الحياة بصدور عارية وأيادٍ فارغة، بل يملكون  حقيبة أدوات  خفية، وممارسات يومية تشكل  درعاً واقياً  لسلامتهم النفسية.

 الوعي ليس مجرد فكرة فلسفية جميلة تقرأ عنها في الكتب، بل هو ممارسة يومية وانضباط ذاتي.

 من أقوى الأدوات وأكثرها فاعلية لتحويل الألم إلى وعي هي أداة  الصمت المؤقت الإرادي .

 في لحظة اشتعال الألم، يكون اللسان هو أخطر سلاح يمكن أن يدمر علاقاتك التي بنيتها في سنوات، ويهدم مستقبلك في ثوانٍ.

 الأداة هنا هي الالتزام بالصمت الاختياري الكامل لمدة لا تقل عن 20 دقيقة، وهي المدة العلمية التي يحتاجها الجسم بيولوجياً لخفض مستويات هرمونات التوتر (مثل الأدرينالين والكورتيزول) في الدم، وعودة الدماغ للعمل بتوازن.

 هذا الصمت ليس ضعفاً ولا انكساراً، بل هو  هدنة تكتيكية  تسمح للعقل الواعي باستعادة مقعد القيادة من العاطفة المتهورة.

لنأخذ مثالاً عميقاً من تراثنا الإسلامي وتطبيقاته النفسية الحديثة.

 توجيهات الوضوء بالماء البارد وتغيير الهيئة الجسدية عند الغضب (الجلوس إن كنت واقفاً، والاضطجاع إن كنت جالساً) ليست مجرد طقوس، بل هي أدوات فيزيولوجية دقيقة لتغيير الحالة النفسية عبر البوابة الجسدية.

 العلم الحديث يؤكد أن تبريد الأطراف وتغيير وضعية الجسد يرسل إشارات عكسية للجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الاسترخاء.

  خالد ، مدير تنفيذي لشركة كبرى، كان معروفاً بسرعة غضبه وقراراته الانفعالية، مما كاد يودي بمنصبه.

 تعلم تقنية بسيطة سماها  المشي السريع للتفريغ .

 كلما واجه موقفاً مؤلماً أو بريداً إلكترونياً مستفزاً، يمتنع عن الرد فوراً، ويخرج للمشي السريع في ممر الشركة أو حول المبنى لمدة 10 دقائق فقط قبل اتخاذ أي قرار.

 هذه الأداة البسيطة، التي تجمع بين الحركة البدنية والصمت، حولته من مدير عصبي يتجنبه الموظفون ويهابون الحديث معه، إلى قائد حكيم ورزين يحتوي الأزمات ببراعة ويجد حلولاً إبداعية للمشاكل المستعصية.

من الأدوات الذهبية التي لا تقدر بثمن أيضاً أداة  إعادة التأطير .

 هذه الأداة الذهنية تشبه تغيير إطار خشبي قديم ومكسور للوحة فنية جميلة ووضعه في إطار ذهبي جديد، فيتغير مظهر اللوحة ومعناها بالكامل.

 عندما تواجه ألماً، لا تستسلم للإطار الأول الذي يقفز لذهنك.

 حاول وضع الحدث في إطار مختلف.

 بدلاً من إطار  الخسارة والفقد ، ضعه في إطار  التطهير والتجديد .

 ربما خسارة هذه الوظيفة المرموقة هي في الحقيقة عملية تطهير لحياتك من بيئة عمل سامة كانت تقتل إبداعك ببطء، وربما انتهاء هذه العلاقة العاطفية هو تطهير لقلب تعلق بغير الله أو بشخص لا يستحقه.

 عندما تنجح في تغيير الإطار، يتغير الشعور الناتج عنه فوراً وتلقائياً.

 الوعي هو القدرة على اختيار الإطار الذي يخدم نموك وتطورك، بدلاً من الإطار الذي يغذي دراما الضحية والانهزامية.

 استخدم الكتابة الحرة أو الحديث العميق مع ناصح أمين وحكيم لمساعدتك في رؤية الإطارات البديلة التي قد تكون غائبة عنك تحت غشاوة الألم.

الأخطاء الشائعة.

 الهروب المخدر والوعي الزائف

على الرغم من نبل السعي نحو الوعي والسمو النفسي، إلا أن الطريق محفوف بمنزلقات خطيرة وفخاخ خفية يقع فيها الساعون لتجاوز الألم، مما يزيد الطين بلة.

 أخطر هذه الفخاخ هو فخ  الكبت المقنع بالإيجابية .

 الخطأ الأكثر شيوعاً وانتشاراً هو محاولة القفز فوراً وقسراً فوق مراحل الألم الطبيعية، وادعاء المثالية والرضا والابتسام، بينما القلب يغلي كالمرجل من الداخل.

 هذا ليس وعياً ولا صبراً جميلاً، بل هو  إنكار  مرضي.

 الوعي الحقيقي يتطلب الشجاعة للاعتراف بالألم واحترامه أولاً.

 أن تقف أمام نفسك وتقول بصدق:  أنا متألم جداً، أنا مجروح، وهذا شعور إنساني طبيعي  هو قمة الشجاعة والصدق مع الذات.

 محاولة كبت المشاعر السلبية ودفنها حية بحجة  أنا شخص إيجابي  أو  أنا مؤمن قوي لا يهتز  تؤدي حتماً إلى انفجار مؤجل ولكنه مدمر، أو تظهر على شكل أمراض جسدية مزمنة (سيكوسوماتية) لاحقاً، فالجسد لا ينسى ما يحاول العقل إنكاره.

قصة  مريم  توضح مأساوية هذا الفخ.

 فقدت مريم والدتها التي كانت متعلقة بها جداً، وبدلاً من أن تعطي نفسها حق الحزن والبكاء والحداد الطبيعي، انغمست فوراً ومن اليوم التالي في العمل التطوعي الشاق، وتظاهرت بالقوة والتماسك المفرط أمام الناس والأقارب.

 الجميع مدح صبرها وجلدها، لكن بعد ستة أشهر فقط، انهارت مريم فجأة ودخلت في نوبة اكتئاب حاد أقعدتها عن العمل والحياة.

 خطؤها القاتل أنها استخدمت العمل والنشاط كوسيلة  تخدير  وهروب، لا وسيلة تشافي ومواجهة.

 الدرس القاسي هنا: لا تستخدم مفاهيم الوعي كسوط تجلد به نفسك لتمنعها من الشعور بإنسانيتها.

 الألم طعام ثقيل يحتاج أن يُعاش ويُهضم ببطء ليتحول إلى مغذيات للروح، أما بلعه كما هو دون هضم فيسبب عسراً نفسياً مزمناً وتسمماً داخلياً.

 اسمح للدموع أن تنزل، واسمح للضعف أن يظهر في خلوتك وبين يدي خالقك، فالقوة الحقيقية تولد من رحم الضعف المعترف به والمقبول.

خطأ آخر قاتل هو  شخصنة القدر  والتفسير الخرافي للأحداث.

 عندما يحدث الألم، يميل البعض لتفسيره فوراً على أنه عقاب إلهي خاص وموجه، أو سوء حظ ملازم ولعنة أبدية.

 السؤال القاتل  لماذا يحدث هذا لي دائماً؟  هو فخ لا قاع له.

 الحقيقة المجردة هي أن الألم قانون كوني يسري على الجميع، الأنبياء، والصالحين، والعامة، وحتى الطغاة، وهو موزع كالرزق بحكمة إلهية لا ندرك كلها.

 الوعي الزائف يجعلك تبحث بهوس عن  ذنب  خفي لتبرير الألم، وهذا يغرقك في مستنقع الشعور بالذنب وجلد الذات المرضي.

 الوعي الحقيقي يجعلك تدرك بتواضع أنك لست محور الكون، وأن الأحداث المؤلمة هي جزء من نسيج الحياة وطبيعتها الدنيا، ودورك هو التعامل معها بذكاء، ورضا، وتسليم، لا البحث عن أسباب خرافية لجلد نفسك وتحطيم معنوياتك.

قياس النتائج.

 علامات الميلاد الجديد للروح

في عالم  النمو بعد الصدمة  ورحلة التشافي، لا تقاس النتائج باختفاء الألم تماماً من الذاكرة، فهذا نسيان وليس تشافياً، بل تقاس النتائج بتغير نوعية وشكل علاقتك مع هذا الألم.

 المؤشر الأول والأصدق لنجاحك في تحويل الألم إلى وعي هو ما نسميه  طول فتيل الغضب .

 راقب نفسك: هل أصبحت المواقف والأشخاص الذين كانوا يفجرون براكين غضبك سابقاً يمرون عليك الآن ببرود وسلام؟ هل أصبحت قادراً على الابتسام بهدوء في وجه استفزاز كان يجعلك ترتجف وتثور قبل عام؟ هذا الهدوء ليس تبلداً ولا موتاً للمشاعر، بل هو علامة مؤكدة على أن  عضلة الوعي  والتحكم الذاتي لديك قد تضخمت وقويت، وأنك أصبحت سيداً لمشاعرك تقودها حيث شئت، لا عبداً لها تقودك حيث شاءت.

مؤشر آخر حيوي وعميق هو  عمق التعاطف والرحمة .

 الألم هو المعلم القاسي الذي يرقق القلوب القاسية ويكسر كبرياء النفوس.

 الشخص الذي نجح في تحويل ألمه إلى وعي يصبح تلقائياً أكثر رحمة ولطفاً بالآخرين، لأنه ذاق مرارة الانكسار ويعرف طعم الوجع.

 إذا وجدت نفسك أصبحت أكثر تفهماً لأخطاء الناس، وأقل حكماً وقسوة عليهم، وأكثر رغبة في مساعدة المتألمين ومسح دموعهم، فاعلم يقيناً أن ألمك قد أثمر وأينع.

 أنت لم تعد ترى الناس كأعداء متربصين أو منافسين شرسين، بل كرفقاء درب في رحلة المعاناة الإنسانية المشتركة.

 هذه الرحمة هي الكنز الحقيقي الذي يستخرجه الألم من مناجم الروح، وهي التي تمنحك كاريزما القيادة الحقيقية والقدرة على التأثير العميق في محيطك.

مؤشر  وضوح الرؤية وترتيب الأولويات .

 الغضب يعمي البصيرة ويخلط الأوراق، بينما الألم الواعي يبصرك بالحقائق.

 بعد الصدمة الكبرى وتجاوزها بوعي، تسقط الأقنعة الزائفة وتتلاشى التفاهات التي كانت تشغل بالك.

 ستجد بوضوح أن خريطة اهتماماتك قد تغيرت جذرياً، وأن الأمور والصراعات الصغيرة التي كنت تضيع وقتك وجهدك فيها لم تعد تعنيك في شيء.

 إذا أصبحت أكثر تركيزاً على ما ينفعك حقاً في دينك ودنياك، وأكثر زهداً وترفعاً عن المظاهر والقشور الاجتماعية الجوفاء، فهذا دليل قاطع على نضج حقيقي وعميق.

 الألم قام بعملية  جراحة ليزر  دقيقة لعين بصيرتك، فأزاح الغشاوة وأصبحت ترى الحقائق كما هي دون تجميل.

 أنت الآن إنسان مختلف، قد يحمل نفس الاسم ونفس الملامح الخارجية، لكن بداخلك تسكن روح جديدة، صقلتها نار التجربة فصارت ذهباً خالصاً لا يصدأ ولا يتغير مع تقلبات الزمن.

في نهاية المطاف، تذكر جيداً أن الألم هو  ضريبة النضج  التي يجب أن ندفعها جميعاً في هذه الحياة، شئنا أم أبينا.

 لا أحد يختار بملء إرادته أن يتألم، لكننا نملك كامل الحرية والسيادة في اختيار ما نفعله بهذا الألم بعد وقوعه.

 يمكنك أن تتركه يعفن بداخلك ويتحول إلى مرارة، وحقد، وغضب مكتوم يسمم حياتك وحياة من حولك، أو يمكنك بقرار شجاع أن تستخدمه كسماد عضوي غني يغذي جذور الحكمة في أعماقك لتطرح ثماراً يانعة من الوعي، والسكينة، والقوة الناعمة.

 الخيار لك وحدك، واللحظة المناسبة للقرار هي الآن.

ابدأ اليوم، ومن هذه اللحظة، بتغيير حوارك الداخلي مع نفسك.

 في المرة القادمة التي يطرق فيها الألم بابك -وهو سيطرق حتماً- لا تصرخ في وجهه  اغرب عن وجهي ، ولا تغلق الباب وتختبئ، بل قل له بهدوء الواثق وثبات المؤمن:  تفضل، واجلس، وأخبرني.

ماذا جئت لتعلمني اليوم؟

 ما هي الرسالة التي تحملها لي؟ .

 استمع للرسالة جيداً، تجاهل شكل ساعي البريد الفظ والمخيف (الحدث المؤلم)، واقبض بكل قوتك على الرسالة الثمينة التي يحملها (الوعي).

اقرأ ايضا: لماذا يُطاع بعض القادة عن احترام… وآخرون عن خوف؟

 فهناك، في قلب الألم وفي جوهر المحنة، ستجد نسختك الأجمل، والأقوى، والأكثر حكمة التي طالما انتظرت خروجها للنور لتضيء بك ولغيرك.

لمن يرى أن هذا الموضوع يمسّه شخصيًا، تتيح منصة دوراتك مواد تعليمية رقمية
لمن
 يفضّل التعلّم المتدرّج

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال