لماذا يُطاع بعض القادة عن احترام… وآخرون عن خوف؟
إنسان مختلف بذات قوية
هل تساءلت يوماً، في لحظة صفاء مع النفس، لماذا يُطاع بعض القادة عن حب ورغبة صادقة، وكأن أتباعهم يسابقون الزمن لتنفيذ رؤيتهم، بينما يُطاع آخرون عن خوف، وقهر، وترقب للعقوبة؟.
| قائد يتحدث بهدوء وثبات مع فريقه في اجتماع يعكس الحزم والاحترام المتبادل |
لماذا يدخل مدير إلى الغرفة فتشعر بنسمة هواء باردة من التوتر، بينما يدخل آخر فتشعر بالأمان والتحفز؟.
تخيل أنك تمسك بيدك قطعة من الصلب النقي، قوية، متينة، لا تنثني ولا تنكسر تحت أقصى الضغوط، ولكنها مغلفة بطبقة سميكة من الحرير الناعم الفاخر؛
هي صلبة في جوهرها، قادرة على القطع والحسم، لكن ملمسها ناعم لا يجرح من يمسكها
هذه هي المعادلة الدقيقة والنادرة للشخصية القيادية الناجحة التي يفتقدها السواد الأعظم في عالم المال والأعمال اليوم.
نحن نعيش في بيئة مهنية واجتماعية تضغط علينا باستمرار لنختار بين نقيضين متطرفين، وكأننا في معركة صفرية: إما أن تكون ذئباً شرساً، تنهش وتهاجم لتنتزع حقوقك وتفرض سيطرتك، معتبراً أن الغاية تبرر الوسيلة ، وإما أن تكون حملًا وديعاً، طيب القلب، فتؤكل حقوقك ويستهين بك الجميع، وتتحول إلى ممسحة للأحذية في دهاليز الشركات.
هذا الاستقطاب الخاطئ هو المسؤول عن جزء كبير من التعاسة المهنية والفشل الإداري في عالمنا العربي.
الحقيقة العميقة التي لا يخبرك بها أحد في دورات الإدارة التقليدية أو كتب التنمية البشرية السطحية، هي أن القوة الحقيقية لا صوت لها.
الصراخ، والتهديد، والوجه العبوس، والضرب على الطاولة، ليست علامات قوة كما يصورها الإعلام والدراما، بل هي في الغالب أقنعة هشة تغطي ضعفاً داخلياً، وخوفاً عميقاً من فقدان السيطرة، وانعداماً في الثقة بالنفس.
المشكلة الحقيقية التي يواجهها القارئ الذكي والطموح، مثلك تماماً، هي المعضلة اليومية: كيف أرسم الحدود بوضوح مع الموظفين والزملاء دون أن أبني جداراً عازلاً؟
كيف أقول لا بقوة لعميل متطلب أو مدير متسلط دون أن أحرق الجسور؟
كيف أتخذ القرارات الصعبة التي قد تؤلم البعض (مثل الفصل أو الخصم)، دون أن أفقد إنسانيتي، أو أتحول إلى طاغية مكروه، أو أخسر احترام ومودة من حولي؟.
في هذا الدليل الاستراتيجي الشامل والموسع، لن نكتفي بالنصائح العابرة، بل سنفكك شفرة الحَسْم الرحيم تفكيكاً علمياً ونفسياً، ونرشدك خطوة بخطوة لبناء شخصية قيادية مهابة ومحبوبة في آن واحد.
شخصية تفرض احترامها لا خوفها، وتنجز الأعمال المعقدة بقلب مطمئن وعقل حاد، وتعرف متى تضرب بيد من حديد في قفاز مخملي.
فلسفة القوة الهادئة
لماذا اللطف ليس ضعفاً ولماذا الصراخ ليس قوة؟
في ثقافتنا الشعبية، وللأسف في جزء كبير من الموروث الإداري في بيئات العمل العربية، تم ترسيخ مفهوم مغلوط ومدمر يربط بشكل شرطي بافلوفي بين الطيب و الساذج
يعتقد الكثير من المدراء الجدد وحتى المخضرمين أن المدير اللطيف هو بالضرورة مدير ضعيف، شخص يمكن استغلاله، والضحك عليه، وتجاوز حدوده.
وفي المقابل، يعتقدون أن المدير الحازم يجب أن يكون فظاً، غليظ القلب، عابس الوجه ، وكأن الابتسامة تنقص من هيبته أو تقلل من مكانته.
هذا الاعتقاد الخاطئ هو المدمر الأول للإنتاجية، والإبداع، والولاء الوظيفي في شركاتنا، وهو السبب الرئيسي وراء ظاهرة الاستقالة الصامتة التي تجتاح الأسواق.
التشريح الدقيق: الفرق بين الحَسْم ، والقسوة، والضعف
لكي نتحرر من هذا الوهم، ونبني عقلية جديدة، يجب أن نعرّف المصطلحات بدقة جراحية، لأن اللغة تشكل الوعي:
الضعف (السلبية: هو العجز عن التعبير عن رأيك أو حقوقك، والموافقة على ما لا تريد خوفاً من الصدام.
هو وضع احتياجات الآخرين دائماً قبل احتياجات العمل أو احتياجاتك الشخصية بطريقة مرضية تؤدي للاحتراق النفسي.
الضعيف يشتري ود الناس ببيع حقوقه.
القسوة (العدوانية -: هي التعبير عن رأيك وحقوقك بطريقة تهين الآخرين أو تنتهك حقوقهم
هي الفوز في الموقف بخسارة العلاقة.
هي الاعتماد على الترهيب، والتنمر، والصوت العالي لفرض الرأي.
القاسي يشتري طاعة الناس ببيع كرامتهم.
الحَسْم: هو المنطقة الذهبية الوسطى.
هو القدرة على التعبير عن أفكارك، ومشاعرك، وقراراتك بوضوح، وصراحة، وثبات، مع الحفاظ الكامل على احترام الطرف الآخر وكرامته.
الحَسْم هو صفة تتعلق بـ الموقف والقرار ، بينما القسوة هي صفة تتعلق بـ الأسلوب والسلوك.
الحازم يكسب الموقف ويكسب العلاقة، أو على الأقل يكسب احترام الطرف الآخر
يمكنك ببساطة أن ترفض طلباً لإجازة في وقت ضغط العمل بابتسامة هادئة وتبرير منطقي (هذا حزم)، ويمكنك أن توافق على نفس الطلب وأنت تصرخ وتشتم الموظف لطلبه وتمن عليه بالموافقة (هذه قسوة ممزوجة بضعف إداري).
أيهما الأقوى برأيك؟
الأقوى هو من يسيطر على انفعالاته ويدير الموقف لصالحه دون خسائر جانبية في الأرواح المعنوية.
هندسة المواقف الصعبة
كيف تقول لا وتحافظ على العلاقة؟ (دليل الرفض الذكي)
أكبر اختبار لقدرتك على الحَسْم ، وأكثر موقف يسبب التوتر في بيئات العمل، هو القدرة على الرفض .
كلمة لا هي أقصر جملة تامة في اللغة، لكنها الأصعب نطقاً على النفس البشرية التي جُبلت على حب القبول الاجتماعي.
قول نعم سهل، ومريح نفسياً، ويزيل التوتر اللحظي، ويجعلك محبوباً لثوانٍ معدودة
لكن نعم الدائمة وتلقائية في عالم الأعمال والحياة هي كلمة سامة ومكلفة جداً
المدير أو الشخص الذي يوافق على كل شيء ينتهي به الأمر وفريقه غارقين في مهام ثانوية لا طائل منها، مما يشتت التركيز عن الأهداف الاستراتيجية الكبرى، ويضعف جودة المخرجات، ويؤدي للاحتراق الوظيفي .
الحَسْم يعني القدرة الشجاعة على حماية وقتك، وطاقتك، وموارد فريقك بقول لا للدخلاء، والمشتتات، والطلبات غير المنطقية.
ولكن السؤال الذهبي هو: كيف تقولها دون أن تبدو عدوانياً، أو أنانياً، أو متعالياً؟
سيناريو العميل المتطلب: دراسة حالة
تخيل موقفاً يتكرر كثيراً في شركات الخدمات والاستشارات: عميل مهم لشركتك يطلب تعديلات إضافية ضخمة خارج نطاق العقد الموقع، ويريدها مجاناً، ملمحاً بالانسحاب إذا لم تنفذ.
المدير الضعيف: سيوافق فوراً ويرتجف خوفاً من خسارة العميل، مما يضغط فريقه للعمل في عطلة نهاية الأسبوع، ويهدر أرباح المشروع، ويقلل من احترام العميل للشركة.
المدير القاسي (المتسلط): سيرفض بحدة، ويدخل في جدال قانوني جاف، ويستشهد ببنود العقد بغلظة، مما قد يؤدي لإنهاء العلاقة وخسارة العميل للأبد مع سمعة سيئة.
المدير الحازم (الدبلوماسي): يستخدم تقنية نسميها الرفض الإيجابي أو شطيرة الرفض
كيف يتصرف الحازم؟.
يبتسم، ينظر في عين العميل بثقة وهدوء، ويقول: أستاذ خالد، نحن نقدر جداً شراكتنا معك وحريصون كل الحرص على خروج مشروعك بأفضل صورة ممكنة تفوق توقعاتك (مقدمة إيجابية وتأكيد على الشراكة).
ولهذا السبب بالتحديد، ومن واقع خبرتنا في مشاريع مماثلة، لا يمكننا قبول إدخال تعديلات جوهرية عشوائية في هذه المرحلة الحرجة، لأن ذلك سيشتت تركيز الفريق الفني ويؤثر سلباً على جودة المخرج النهائي وعلى موعد التسليم الذي يهمك جداً (الرفض + السبب المنطقي المربوط بمصلحة العميل وليس راحة الشركة).
ولكن، يسعدنا جداً تدوين كل هذه الأفكار الرائعة، وتنفيذها في مرحلة ثانية بعقد ملحق وجدول زمني مستقل يضمن لها الاهتمام الذي تستحقه (البديل والحل العملي)
لاحظ التشريح الدقيق هنا: الرفض كان قاطعاً (لا يمكننا)، لكنه لم يكن موجهاً ضد العميل، بل كان في صالحه (نجاح مشروعك).
والأهم، أنه لم يغلق الباب، بل فتح باباً آخر (عقد ملحق) يضمن حق الشركة في أجر إضافي.
العميل هنا يشعر بالاحترام، وبأنك خائف على مصلحته، وفي نفس الوقت يدرك أنك لست لقمة سائغة يمكن استغلالها، وأن هناك نظاماً يجب احترامه.
لغة الجسد والنبرة
أدواتك الصامتة لفرض الهيبة دون كلام
قبل أن تنطق بكلمة واحدة، وقبل أن تفتح فمك لتدافع عن حقك، جسدك يصرخ برسائل تحدد كيف سيعاملك الآخرون.
الدراسات الحديثة في علم النفس السلوكي والاتصال (مثل دراسات ألبرت مهرابيان) تؤكد أن أكثر من 70% إلى 93% من تأثير التواصل هو غير لفظي (نبرة الصوت، تعابير الوجه، ولغة الجسد).
الكلمات وحدها ضعيفة إذا لم يدعمها جسد واثق.
الشخص الحازم لا يحتاج لرفع صوته أو الصراخ لأن هالته وحضوره يتحدثان نيابة عنه
الضعف يفضحه انحناء الأكتاف (الوضعية الدفاعية)، والنظرات الزائغة المترددة، والتململ المستمر (لعب باليدين، هز الرجلين، لمس الوجه).
والقسوة تفضحها التقطيب المستمر، والإشارة بالإصبع في وجوه الناس (حركة اتهامية)، واقتحام المساحة الشخصية للآخرين بتهديد.
الحَسْم يقع في منطقة وسطى وقوية تسمى الحضور الواثق .
كيف يقف ويتحدث القائد الحازم؟ (دليل عملي)
لنطبق هذا عملياً في سيناريو بيئة العمل.
عندما تدخل اجتماعاً لتلقي قراراً صعباً، أو لتفاوض على راتب، أو لتحل نزاعاً:
وضعية الجسد: قف أو اجلس مستقيماً
تخيل أن هناك خيطاً يشد رأسك للأعلى من منتصف الرأس.
الأكتاف مرتاحة (ليست مشدودة للأعلى بتوتر) ولكنها مفتوحة ومفرودة للخلف قليلاً (وليست منكمشة للأمام).
هذا يعطي انطباعاً بالثقة والانفتاح ويسمح لك بالتنفس بعمق، مما يهدئ جهازك العصبي
التواصل البصري: تواصل بصرياً مع الجميع.
القائد الضعيف يهرب بعينيه وينظر للطاولة أو الهاتف.
القائد المتسلط يحدق بحدة في شخص واحد ليخيفه ويربكه.
القائد الحازم يوزع نظراته بهدوء وثبات على جميع الحاضرين، يمنح كل شخص 3-5 ثوانٍ من النظر المباشر والدافئ.
هذا يقول بصمت: أنا أراك، أنا مهتم بك، وأنا لا أخشى المواجهة .
اليدان: اجعل يديك ظاهرتين ومفتوحتين على الطاولة.
إخفاء اليدين (في الجيوب أو تحت الطاولة) يوحي لا شعورياً بعدم الأمان أو الإخفاء والمراوغة.
اليدان المفتوحتان دليل عالمي على الصدق والثقة والسيطرة.
استخدم حركات يد هادئة ومدروسة لتأكيد كلامك، لا حركات عشوائية سريعة توحي بالتوتر
نبرة الصوت: هذا هو السلاح السري والأكثر تأثيراً.
تحدث بنبرة صوت منخفضة (من الصدر لا من الحلق)، عميقة، وبطيئة قليلاً.
السرعة في الكلام واللهاث يوحيان بأنك تريد الانتهاء بسرعة خوفاً من المقاطعة، أو أنك غير واثق مما تقول.
البطء المدروس مع استخدام الوقفات يوحي بأنك تزن كلماتك، وأنك تتوقع من الآخرين الانتظار والاستماع لأن ما تقوله مهم.
فخاخ الشخصية
عندما يتحول الحَسْم إلى تسلط (وكيف تتجنبه؟)
الخيط الفاصل بين الحَسْم والتسلط قد يكون رفيعاً جداً، وكثير من المدراء، خاصة الجدد منهم، يسقطون في فخ التسلط وهم يظنون واهمين أنهم يمارسون الحَسْم والقيادة.
الفرق الجوهري يكمن في النية و الهدف .
التسلط: هو استخدام القوة والسلطة لإشباع الأنا، ولإشعار الذات بالأهمية والسيطرة
المتسلط يركز على من المحق (أنا المدير إذن أنا صح، وأنت الموظف إذن أنت خطأ).
الحَسْم: هو استخدام القوة والسلطة لخدمة الهدف ، والمصلحة العامة، وحماية القيم.
الحازم يركز على ما هو الحق وما هو الأفضل للعمل، بغض النظر عن مصدره.
الفخ الأول: الشخصنة
أحد أكبر وأخطر الأخطاء الشائعة هو شخصنة النقد .
عندما ينتقد المدير المتسلط موظفاً أخطأ، يهاجم ذاته وصفاته الشخصية، فيقول له: أنت مهمل، أنت كسول، أنت غبي، لا يمكن الاعتماد عليك .
هذا هجوم مدمر يولد دفاعية فورية، وكراهية، ورغبة في الانتقام أو التخريب الخفي، ويحطم تقدير الذات لدى الموظف.
المدير الحازم يوجه نقده للفعل فقط، فيقول: يا محمد، تسليم التقرير متأخراً يومين (الفعل) هو أمر يخالف معايير الاحترافية التي اتفقنا عليها (المعيار)، ويسبب تعطيلاً لباقي الأقسام (الأثر)
أنا أنتظر منك الالتزام في المرة القادمة.
هنا، محمد لا يشعر بالإهانة الشخصية، بل يشعر بمسؤولية الخطأ المهني، وهذا يفتح باباً للتصحيح والنمو.
الفخ الثاني: احتكار الرأي (الديكتاتورية)
المتسلط يظن أن رأيه هو الوحيد الصائب، ويعتبر أي نقاش أو اقتراح مخالف نوعاً من التمرد يجب سحقه.
الحازم يملك الثقة الكافية بالنفس ليسمع وجهات النظر الأخرى، ويشجع فريقه على إبداء الرأي، وقد يغير رأيه وقراره إذا قدموا له حجة مقنعة.
تغيير الرأي بناءً على دليل ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة العقلية والنضج القيادي.
الحازم حازم في القرار بعد اتخاذه ، لكنه ديمقراطي في النقاش قبل القرار .
قصة عماد
كيف دمر فريقاً بالانضباط
لنتأمل قصة عماد ، مدير مبيعات شاب ومتحمس استلم إدارة فريق جديد وأراد فرض النظام منذ اليوم الأول لإثبات كفاءته.
أصدر قرارات فورية بمنع النقاشات الجانبية تماماً، وألغى الإجازات القصيرة، وكان يراقب مواعيد الحضور والانصراف بالدقيقة، ويعلق لائحة المخالفات على الحائط، ويتجول بين المكاتب كشرطي مرور.
ظن عماد أنه حازم، لكنه في الحقيقة خلق بيئة سامة مشبعة بالخوف والتربص.
بعد شهرين فقط، استقال أفضل ثلاثة بائعين في فريقه وانتقلوا للعمل مع المنافس الذي قدرهم واحترمهم.
خسر عماد أرقام المبيعات، وخسر فريقه، وانهار مستقبله المهني في تلك الشركة لأنه خلط بسذاجة بين الانضباط المهني و الإرهاب الإداري .
الدرس القاسي هنا: الحَسْم يبني المؤسسات، والتسلط يهدمها على رؤوس أصحابها.
النصيحة العملية الذهبية لتجنب هذا الفخ: طبق قاعدة الحَسْم في المبدأ، واللين في التطبيق
كن صارماً جداً ولا تتهاون أبداً فيما يتعلق بالقيم الأخلاقية، والأمانة، والتحرش، والنتائج النهائية الكبرى (الخطوط الحمراء).
ولكن، كن مرناً، وإنسانياً، ومتفهماً في تقدير ظروف الناس الطارئة، وفي أساليبهم المختلفة لتنفيذ العمل.
اسمح للموظفين بهامش مدروس من الخطأ ليتعلموا منه، طالما أنهم لا يكررون نفس الخطأ، وطالما أن نيتهم سليمة ولم يكن الخطأ ناتجا عن إهمال متعمد.
الحازم الحقيقي هو الذي يبني قادة للمستقبل، لا أتباعاً خائفين ومطيعين فقط.
قياس الأثر
كيف تعرف أنك وصلت للتوازن الذهبي؟ (مؤشرات النجاح)
بعد أن غيرت عقليتك، وتبنيت أدوات لغة الجسد والنبرة، وعدلت سلوكك ليكون حازماً رحيماً، كيف تتأكد أنك تسير في الطريق الصحيح؟.
كيف تعرف أنك أصبحت ذلك القائد الاستثنائي؟.
القياس هنا لا يكون فقط بالأرقام والأرباح (وإن كانت ستتحسن حتماً نتيجة تحسن الأداء)، بل بـ المناخ العام للفريق، وجودة العلاقات، والصحة النفسية للمؤسسة.
إليك ثلاثة مؤشرات حيوية:
مؤشر الشفافية ومصارحة الفريق
في البيئات التي يحكمها التسلط، يخاف الموظفون من نقل الأخبار السيئة أو الأخطاء للمدير، فيخفونها حتى تتفاقم وتنفجر ككارثة لا يمكن تداركها.
في البيئات الضعيفة، يستهين الموظفون بالمدير ولا يخبرونه بشيء.
أما مع القائد الحازم الرحيم، ستجد ظاهرة صحية جداً: يأتيك الموظف بنفسه ويقول: يا مدير، لقد ارتكبت خطأً في الحسابات اليوم، وأردت إخبارك فوراً لنحاول حله معاً قبل أن يتفاقم .
هذا المستوى العالي من الشفافية يعني أنهم يثقون في عدلك (لن تذبحهم)، ويحترمون حزمك (يعرفون أنك ستحل المشكلة بجدية)، ولا يخافون من بطشك.
هذا هو الأمان النفسي الذي يولد الإبداع والولاء.
مؤشر ثبات الأداء في الغياب
المدير المتسلط ينهار فريقه ويتسيب بمجرد غيابه، لأن المحرك الوحيد للعمل كان الخوف من العصا .
بمجرد غياب الجلاد، يتوقف العمل.
المدير الحازم يبني أنظمة، وقيم، ومعايير تعمل ذاتياً داخل الموظفين.
إذا سافرت في إجازة لمدة أسبوع، وعاد الفريق بنفس الإنتاجية، ونفس الانضباط، ونفس الروح، فاعلم يقيناً أنك نجحت في زرع الحَسْم داخلهم كضمير مهني، ولم يعد مجرد سوط خارجي.
هذا هو النجاح الحقيقي للقائد: أن يصنع مؤسسة لا تعتمد على وجوده المادي لتعمل بكفاءة
في نهاية المطاف،القيادة، سواء كنت تقود شركة متعددة الجنسيات، أو فريقاً صغيراً، أو حتى تقود أسرتك، ليست معركة لإخضاع الآخرين وكسر شوكتهم، بل هي رحلة نبيلة للارتقاء بهم وبنفسك.
الحَسْم الرحيم هو تلك العصا السحرية التي تحول الفوضى العارمة إلى نظام منتج، وتحول التراخي والكسل إلى إنجاز وحماس، وتحول مشاعر الكراهية والخوف إلى مشاعر احترام وولاء عميق.
تذكر دائماً أن الله سبحانه وتعالى وصف نبيه الكريم وسيد القادة محمد ﷺ بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وأنه لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، رغم أنه كان قائداً لجيوش، ورئيس دولة، وقاضياً يحكم في الدماء والأموال.
وفي هذا الدرس الأعظم والأبقى؛
الرحمة واللين لا تنافي القيادة و الحَسْم، بل هي روحها، وجوهرها، وسر استدامتها
ابدأ اليوم، الآن، بتغيير بسيط ومقصود: في موقفك القادم الذي يتطلب قراراً أو توجيهاً، توقف للحظة، خذ نفساً عميقاً، واسأل نفسك: كيف يمكنني أن أكون صادقاً، وواضحاً، وحازماً في هذا الموقف، دون أن أجرح أحداً أو أهينه؟.
اقرأ ايضا: لماذا ينهض بعض الناس بعد كل سقوط بينما يستسلم غيرهم؟
هذه اللحظة الصغيرة من الوعي هي بدايتك الحقيقية نحو بناء شخصية قيادية استثنائية، تترك أثراً طيباً لا يمحى في كل من تقابله وتعمل معه.
كن الفولاذ الصلب المغلف بالحرير الناعم، وسترى كيف يفتح لك العالم أبوابه، وتلين لك القلوب والعقول.