لماذا أشعر أنني مسؤول عن مزاج كل من حولي

لماذا أشعر أنني مسؤول عن مزاج كل من حولي

إنسان مختلف بذات القوة

رجل يلاحظ تغير أجواء جلسة عائلية دون تدخل فوري
رجل يلاحظ تغير أجواء جلسة عائلية دون تدخل فوري

قد تدخل مجلسا أو اجتماعا وتلاحظ أن أحدهم صار أقل كلاما من المعتاد، فتتحول الملاحظة

 خلال ثوان إلى سؤال داخلي.

هل فعلت شيئا أزعجه.

ثم يبدأ عقلك بمراجعة الكلمات والرسائل والنبرات، وربما تجد نفسك تحاول تلطيف الجو

 قبل أن تعرف أصلا إن كان مزاج الشخص يتعلق بك.

المشكلة هنا ليست التعاطف.

ملاحظة انفعالات الآخرين والاستجابة لها جزء طبيعي من العلاقات.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل من ملاحظة مزاج شخص آخر إلى افتراض أنك سببه، ثم إلى اعتقاد

 أن عليك إصلاحه حتى تستطيع أنت أن ترتاح.

هذا الانتقال يجعل مزاج الناس حولك يتحول إلى مقياس لأمانك ورضاك عن نفسك.

ومع الوقت قد تصبح أكثر انشغالا بقراءة الوجوه والصمت والنبرات من الانتباه إلى ما تعرفه فعلا.

الفهم الأهدأ يبدأ من فصل ثلاثة أمور.

ما لاحظته، وما استنتجته، وما أنت مسؤول عنه فعلا.

عندما تفصل بينها لا تصبح أقل تعاطفا، بل تصبح أكثر قدرة على الاستجابة لما يحدث فعلا بدل الاستجابة

 لما تخشاه أو تتخيله.

ملاحظة مزاج الآخر لا تعني أنك تعرف سببه

الإنسان يلتقط تغيرات كثيرة في من حوله.

نبرة أقصر، صمت أطول، وجه متعب، أو رد لا يحمل الحماس المعتاد.

هذه الإشارات حقيقية من حيث أنك لاحظتها، لكن معناها ليس واضحا بالضرورة.

قد يكون الشخص منزعجا منك، وقد يكون مرهقا من عمله، أو منشغلا بأمر خاص، أو لم ينم جيدا،

 أو لا يريد الحديث في تلك اللحظة.

القفزة المرهقة تحدث عندما يختفي كل هذا الاحتمال ويصبح التفسير الأول هو أنني السبب.

هذه ليست قراءة دقيقة للمشاعر بقدر ما هي تحويل الغموض إلى تفسير شخصي سريع.

والعقل يفعل ذلك أحيانا لأنه يفضل سببا يمكن التعامل معه على مساحة لا يعرف ما فيها.

وقد تزيد المحاولة نفسها الغموض.

تسأل الشخص أكثر من مرة هل هناك شيء، فيجيب بأنه متعب فقط، ثم تبدأ في تحليل طريقته في الإجابة.

بدل أن تحصل على معلومة جديدة تصبح كل إشارة جديدة مادة إضافية للتفسير.

لذلك أول تصحيح ليس أن تقنع نفسك بأن الأمر لا يتعلق بك أبدا.

التصحيح هو أن تقول إنك لاحظت تغيرا، لكنك لا تعرف سببه بعد.

التعاطف يختلف عن الشعور بأن عليك إصلاح المزاج

البحث النفسي يفرق بين استجابات مختلفة لمعاناة الآخرين.

قد تشعر باهتمام موجه إلى الشخص نفسه، فتريد أن تفهمه أو تساعده.

وقد تشعر بضيق شخصي لأن رؤيته متوترا تجعلك أنت متوترا أيضا.

الفرق مهم.

عندما يكون الدافع الأساسي هو الاهتمام بالآخر تستطيع أن تسأل أو تستمع ثم تحترم رغبته ومساحته.

أما عندما يصبح انزعاجه صعبا عليك أنت، فقد تتحول المساعدة إلى محاولة سريعة لإعادة الجو إلى حالة مريحة لك.

قد تكرر السؤال، أو تمزح حتى يبتسم، أو تقدم تنازلا لم يطلبه، أو تعتذر عن شيء لا تعرف أنك فعلته.

من الخارج يبدو هذا لطفا، لكن من الداخل قد يكون جزء منه محاولة لإيقاف قلقك أمام مزاج 

لا تستطيع تفسيره.

التعاطف لا يطلب منك أن تكون باردا.

هو يسمح لك أن تهتم من دون أن تجعل هدوءك متوقفا على تغير وجه شخص آخر.

وهنا يفيد التفريق بين شعورك مع الشخص وشعورك بدلا عنه.

يمكنك أن تتأثر بما يمر به وتظل مدركا أن تجربته ليست تجربتك.

هذا الفصل بين الذات والآخر يساعد التعاطف على البقاء اهتماما، بدلا من أن يتحول إلى ضيق يدفعك إلى التدخل فقط كي ينتهي شعورك أنت.

مسؤوليتك الحقيقية تبدأ من فعلك لا من كل شعور يظهر أمامك

القول إن مشاعر الآخرين ليست مسؤوليتك يمكن أن يصبح بدوره تبسيطا مؤذيا.

إذا أخطأت في حق شخص، أو تكلمت بقسوة، أو أخللت باتفاق، أو تجاهلت حاجة كان عليك مراعاتها، 

فكون الغضب شعوره لا يلغي مسؤوليتك عن سلوكك.

المسؤولية الناضجة تسأل عن الفعل والأثر.

هل فعلت شيئا يحتاج إلى اعتذار أو توضيح أو إصلاح.

إذا كانت الإجابة نعم، فالإصلاح جزء من مسؤوليتك الأخلاقية والإنسانية.

لكن مسؤوليتك لا تمتد إلى ضمان أن يعود الشخص راضيا فورا.

يمكنك الاعتذار بصدق ويبقى منزعجا لبعض الوقت.

ويمكنك توضيح موقفك ويبقى غير مقتنع.

هنا تنتهي قدرتك عند ما تستطيع فعله أنت، ولا تبدأ مهمة جديدة اسمها التحكم في شعوره 

حتى يطمئن قلبك.

هذا الفصل يحميك من طرفين.

من تحمل ما لا يخصك، ومن استخدام فكرة الحدود ذريعة للهروب من أثر أفعالك.

كما أنه يمنع خطأ ثالثا.

قد يغضب شخص منك لأنك اتخذت قرارا مشروعا لا يناسبه، ومع ذلك لا يكون غضبه دليلا على أنك ظلمته.

هنا تحتاج إلى فحص الفعل نفسه لا شدة انفعاله.

قوة مشاعر الطرف الآخر لا تحدد وحدها مقدار ذنبك أو صوابك.

بعض الناس يتعلمون مراقبة الجو أكثر من غيرهم

ليس هناك سبب واحد يجعل شخصا شديد الحساسية لتغير مزاج من حوله.

لذلك لا يصح أن نفترض من هذا السلوك وحده أن طفولتك كانت مضطربة أو أنك كنت مسؤولا عن مشاعر والديك.

مع ذلك توجد خبرات مبكرة يمكن أن تزيد الانتباه لإشارات التوتر.

أبحاث عن بيئات الطفولة الصعبة وجدت لدى بعض من مروا بإساءة أو إهمال حساسية أكبر لبعض الإشارات الانفعالية والتهديدية لاحقا.

كما أن تحمل الطفل مسؤوليات عاطفية أو أسرية أكبر من عمره قد يرتبط بآثار تمتد إلى علاقاته في الرشد.

هذه احتمالات وليست تشخيصا لك.

وقد ينشأ السلوك أيضا من شخصية شديدة الاهتمام بالعلاقات، أو تجارب اجتماعية لاحقة، أو بيئة

 عمل متوترة، أو مجرد عادة تكررت حتى أصبحت تلقائية.

الفائدة من الماضي ليست أن تبحث عن قصة تفسر كل شيء، بل أن تعرف أن سرعة التقاطك للمزاج

 لا تعني أن تفسيرك له صحيح.

اقرأ ايضا : لماذا يزداد تعلقي بشخص عندما يصبح اهتمامه بي متقطعا

والبحث في الماضي بلا دليل قد يصنع قصة جاهزة بدل الفهم.

ليس كل شخص يراقب الوجوه عاش طفولة مؤذية، وليس كل من تحمل مسؤوليات في صغره سيكرر النمط نفسه.

الخبرات المبكرة عامل محتمل بين عوامل كثيرة، وليست حكما يمكن استخراجه من سلوك واحد.

محاولة تهدئة الجميع قد تصبح طريقة لتهدئة نفسك

من أصعب الملاحظات أن فعل المساعدة نفسه قد يحمل أكثر من دافع.

قد تحب الشخص فعلا، وفي الوقت نفسه لا تحتمل أن يبقى غاضبا أو حزينا قربك.

تظهر هذه النقطة عندما يصبح هدوء الآخر شرطا لهدوئك.

تسأله إن كان بخير، فيقول نعم، لكنك لا تقتنع.

يعبر عن حاجته إلى الصمت، فتستمر في المحاولة.

يخبرك أن الأمر لا يتعلق بك، فتبقى تبحث عن دليل يؤكد ذلك.

هنا لم تعد المشكلة نقص المعلومات فقط.

أنت تحاول الحصول على حالة عاطفية معينة منه حتى ينخفض القلق داخلك.

يمكن أن يكون تنظيم المشاعر بين الناس مفيدا وطبيعيا.

نحن نواسي وندعم ونخفف عن بعضنا.

والعلاقات القريبة تقوم جزئيا على هذا التبادل.

المشكلة ليست في أنك تؤثر في مشاعر من تحب، بل في أن تعتبر نجاحك في تغييرها شرطا لسلامك

 أو دليلا على قيمتك.

وتصبح العلاقة أثقل عندما يشعر أحد الطرفين أنه لا يستطيع أن يكون متعبا أو صامتا لأن الطرف 

الآخر سيتوتر ويطالبه بالعودة سريعا إلى مزاج مريح.

عندها قد يتحول الاهتمام من حضور مرن إلى ضغط غير مقصود.

ليس كل صمت طلبا للمساعدة وليس كل غضب طلبا منك

العلاقة القريبة لا تعني أن تتدخل عند كل تغير.

أحيانا يكون السؤال البسيط مناسبا.

وأحيانا تكون المساحة هي الاستجابة الأكثر احتراما.

يمكنك أن تقول إنك لاحظت أن الشخص هادئ اليوم، وأنك موجود إذا أراد الحديث.

بعد ذلك تصبح استجابته معلومة مهمة.

إذا قال إنه يحتاج إلى وقت، فاحترام ذلك جزء من الاهتمام به.

أما إذا كان التغير مرتبطا بسلوك صدر منك، فالموقف مختلف.

عندها لا تستخدم المساحة كي تتجنب الحوار، بل تعامل مع ما يخصك بوضوح.

المهارة ليست في عدم التدخل دائما ولا في التدخل دائما.

هي في عدم تحويل كل إشارة إلى مهمة.

بعض المشاعر تحتاج حضورا، وبعضها يحتاج سؤالا، وبعضها يحتاج اعتذارا، وبعضها لا يحتاج منك شيئا 

في تلك اللحظة.

وتختلف المسؤولية بحسب العلاقة.

مع طفل أو شخص تحت رعايتك لك دور أكبر في توفير الأمان والاستجابة المناسبة والانتباه للحاجة.

لكن حتى هنا لا تستطيع ضمان مزاج هادئ طوال الوقت.

التربية والرعاية لا تعني منع كل حزن أو غضب، بل التعامل معه بما يناسب العمر والموقف والمسؤولية.

افصل بين ما تعرفه وما تتخيله قبل أن تتصرف

عندما يتغير مزاج شخص أمامك جرب أن تفصل المشهد إلى ثلاث طبقات.

الأولى هي الملاحظة.

ما الذي حدث فعلا أمامك.

الثانية هي التفسير.

ما القصة التي أضفتها أنت إلى الملاحظة.

الثالثة هي المسؤولية.

هل توجد واقعة محددة تجعل منك طرفا يحتاج إلى فعل شيء.

قد تكون الملاحظة أن زميلك رد بكلمتين.

والتفسير أنه غاضب منك.

والمسؤولية غير معروفة لأنك لا تملك واقعة تشير إلى خلاف بينكما.

وقد تكون الملاحظة أن قريبك انسحب من الحديث بعد تعليق قلته.

والتفسير أنه تأذى منه.

والمسؤولية هنا تستحق فحصا لأن هناك حدثا واضحا سبق تغيره مباشرة.

هذا الفصل الصغير يمنعك من الاعتذار عن أشياء لم تفعلها، كما يمنعك من تجاهل أثر حقيقي

 عندما توجد قرائن تستحق الحوار.

ويمكنك استخدام سؤال هادئ عندما تحتاج إلى معلومة.

لاحظت أنك أهدأ من المعتاد، إذا كان هناك شيء يخصني وأحتاج إلى معرفته فأنا مستعد لسماعه.

ثم اترك للطرف الآخر مساحة أن يجيب أو يؤجل الحديث.

السؤال هنا يطلب حقيقة، ولا يطالبه بأن يطمئنك.

استخدم اختبار مساحة المسؤولية

يمكنك تنظيم الموقف عبر إطار تحريري يسمى اختبار مساحة المسؤولية.

هذا ليس اختبارا نفسيا رسميا، بل طريقة عملية حتى لا تجعل مزاج الآخر دليلك الوحيد.

ابدأ بالفعل.

هل صدر منك قول أو تصرف محدد يمكن أن يكون مؤثرا.

ثم افحص المعرفة.

هل أخبرك الشخص أن الأمر يتعلق بك، أم أنك تستنتج ذلك من تعبير وجهه فقط.

بعد ذلك افحص الطلب.

هل يريد منك استماعا أو توضيحا أو مساعدة، أم أنك بدأت الحل قبل أن تعرف ما يحتاجه.

ثم افحص قدرتك.

هل تستطيع فعل شيء مشروع ومعقول لتحسين الموقف، أم أنك تحاول التحكم في نتيجة عاطفية لا تملكها.

وأخيرا افحص ما بعد الفعل.

إذا اعتذرت أو أوضحت أو قدمت المساعدة المناسبة، هل ما زلت تشعر أن عليك مواصلة المحاولة حتى يصبح الشخص سعيدا.

إذا كان الجواب نعم، فقد تكون تجاوزت مسؤولية السلوك إلى مسؤولية المزاج.

قيمة الاختبار أنه لا يعطيك إعفاء مسبقا ولا يحمل كل شيء على كتفك.

هو يعيدك إلى الجزء الذي تستطيع معرفته والتصرف فيه.

الفعل الذي صدر منك، والمعلومة التي لديك، والطلب الذي أمامك، والقدرة الواقعية على الاستجابة.

يمكنك أن تبقى مهتما دون أن تصبح حارسا للجو

التغيير لا يحتاج إلى أن تصبح أقل رحمة أو أن تتوقف عن سؤال من تحب عن حاله.

المطلوب أن تعطي التعاطف حجمه الصحيح.

لاحظ، واسأل عندما يكون السؤال مناسبا، واستمع إذا أراد الشخص الكلام، واعتذر عندما تخطئ، 

وساعد عندما تستطيع وتكون المساعدة مطلوبة.

ثم اترك مساحة لا تملكها أنت.

في المرة القادمة التي يتغير فيها مزاج شخص حولك لا تبدأ مباشرة بمراجعة نفسك أو بمحاولة رفع معنوياته.

توقف عند المعلومة المتاحة.

قد يكون هناك شيء يخصك، وقد لا يكون.

إذا تكرر لديك هذا الانشغال بدرجة تستهلك ساعات من يومك أو تدفعك إلى مراقبة مستمرة وقلق شديد أو تؤثر في علاقاتك وعملك، فطلب مساعدة متخصصة قد يكون مناسبا لفهم النمط في سياقك الشخصي.

الراحة لا تأتي من أن تتوقف عن الاهتمام بالناس.

تأتي من أن تعرف أين ينتهي اهتمامك ويبدأ حق الآخر في أن يمر بمزاجه، وأين تبدأ مسؤوليتك الحقيقية عندما يكون لسلوكك أثر يحتاج إلى إصلاح.

هذا التوازن أهدأ من دورين متطرفين.

أن تصبح حارسا لمشاعر الجميع، أو أن تتعامل مع كل انفعال حولك باعتباره شأنا لا يعنيك.

النضج في المنتصف، اهتمام صادق، ومسؤولية عن أفعالك، ومساحة كافية للآخر حتى يملك تجربته العاطفية بنفسه.

اقرأ ايضا : متى تتحول طيبتك إلى التزام يتوقعه الآخرون منك

قد تشعر أنك مسؤول عن تهدئة الجميع، وأن عليك إصلاح كل خلاف، وتخفيف حزن كل شخص، 

والحفاظ على راحة من حولك. ومع الوقت، قد يصبح مزاج الآخرين هو الذي يحدد مزاجك أنت.

لكن الاهتمام بالناس لا يعني أن تحمل مشاعرهم على كتفيك. هناك فرق بين أن تكون داعمًا 

وبين أن تشعر بأنك مسؤول عن إصلاح كل ما يشعرون به.

عندما تتعلم التمييز بين مسؤوليتك ومسؤولية الآخرين، يصبح من الأسهل أن تساعد دون أن تستنزف نفسك، وأن تهتم دون أن تفقد حدودك.

وإذا كنت تريد فهم هذا النمط بشكل أعمق، وتتعلم كيف تحافظ على علاقاتك دون أن تحمل فوق طاقتك، فقد تجد في «كيف تفهم نفسك وتضع حدودك دون أن تفقد ذاتك» أفكارًا تساعدك على بناء حدود صحية واحترام احتياجاتك دون الشعور بالذنب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال