لماذا تشعر أنك متأخر عن الآخرين رغم أنك تتقدم فعلا

لماذا تشعر أنك متأخر عن الآخرين رغم أنك تتقدم فعلا

ذاتك في مرحلة النضج

رجل يتأمل مساره بعد سماع إنجازات أشخاص من عمره
رجل يتأمل مساره بعد سماع إنجازات أشخاص من عمره

قد تنظر إلى حياتك في يوم هادئ فتجد أن أشياء كثيرة تسير بصورة معقولة.

لديك عمل تؤديه، وعلاقات تهتم بها، ومسؤوليات تتقدم فيها، وربما أهداف تتحسن ببطء.

ثم تسمع أن شخصا في عمرك ترقى أو اشترى منزلا أو بدأ مشروعا، فيتغير تقييمك لنفسك خلال

 دقائق وكأن ما كان كافيا قبل الخبر لم يعد كافيا بعده.

هذا الشعور لا يثبت أنك متأخر فعلا.

ما تغير أحيانا ليس مسارك بل المقياس الذي استخدمته للحكم عليه.

بدلا من سؤال هل أتحرك نحو ما يهمني، يصبح السؤال أين وصلت مقارنة بمن يشبهني في العمر أو الدراسة أو المحيط.

علم النفس الاجتماعي يصف وجود توقعات حول العمر المناسب لبعض أحداث الحياة، كما يبين أن المقارنة بمن يبدو أفضل حالا قد تغير المشاعر والتقييم الذاتي.

المشكلة ليست في ملاحظة الآخرين نفسها، بل في تحويل نتائجهم إلى جدول زمني ملزم

 لك من دون فحص ظروفك وأهدافك وما حققته بالفعل.

الشعور بالتأخر يبدأ عندما يتحول العمر إلى جدول للمقارنة

في كثير من البيئات توجد أفكار معلنة أو ضمنية عن الوقت المناسب للزواج أو العمل أو الاستقرار المالي أو تكوين الأسرة أو الوصول إلى منصب معين.

قد لا يخبرك أحد أن هذه المواعيد قوانين، لكنها تظهر في الأسئلة والتعليقات وما يعده الناس مبكرا أو متأخرا.

يستخدم الباحثون تعبير الساعة الاجتماعية لوصف التصورات المتعلقة بالتوقيت المناسب لأحداث الحياة.

دراسة حديثة بين ثقافتين وجدت أن مرونة هذه التوقعات تختلف باختلاف السياق الثقافي، وأن الخروج 

عنها قد يرتبط بتوقع مشاعر اجتماعية سلبية لدى بعض الناس.

هذا لا يعني أن هناك ساعة واحدة تحكم الجميع.

بالعكس، الفكرة المفيدة هي أن إحساسك بالتأخر قد يأتي جزئيا من مقارنة واقعك بموعد اجتماعي تعلمته، لا من دليل موضوعي على أن حياتك تسير بصورة سيئة.

إذا كان عمرك هو السبب الوحيد الذي جعل هدفا مقبولا بالأمس يبدو اليوم متأخرا، فالمشكلة

 قد تكون في الموعد الذي تقيس به لا في قيمة مسارك نفسه.

وتصبح هذه الفكرة أقوى عندما يتكرر السؤال نفسه في أكثر من دائرة.

الأسرة تتحدث عن الاستقرار، والعمل يكافئ سرعة التقدم، والأصدقاء يعلنون انتقالاتهم الجديدة.

عندها قد يبدو الجدول الاجتماعي وكأنه حقيقة موضوعية، مع أنه في الواقع مجموعة توقعات تختلف بين البيئات والأسر والمراحل التاريخية.

المقارنة بالآخرين قد تغير تقييم حياة لم تتغير فعليا

قبل أن تسمع خبر ترقية زميلك ربما كنت راضيا عن تقدمك المهني.

وبعد الخبر لم يتغير راتبك ولا عملك ولا خطتك، لكن المسافة بينك وبينه أصبحت أكثر حضورا في ذهنك.

هذه إحدى وظائف المقارنة الاجتماعية.

نحن نستخدم الآخرين للحصول على معلومات عن مكاننا وقدراتنا وما يمكن تحقيقه.

لذلك لا تحتاج إلى اعتبار المقارنة خطأ نفسيا يجب التخلص منه بالكامل.

لكن المقارنة الصاعدة، أي النظر إلى شخص تراه متقدما عليك في جانب مهم، يمكن أن ترتبط بانفعالات سلبية وانخفاض بعض جوانب الرضا لدى بعض الناس.

وفي الوقت نفسه قد تزيد الدافعية عندما يبدو الفارق قابلا للجسر والهدف مهما ويمكن التأثير فيه.

إذن السؤال ليس هل أقارن أم لا.

السؤال ما الذي فعلته المقارنة بتقييمي.

هل أعطتني معلومة عملية عن خطوة أريدها، أم جعلت إنجاز شخص آخر يمحو تقديري

 لكل ما كان مستقرا لدي قبل دقائق.

ومن المفيد أيضا ملاحظة حجم الفارق الذي تضعه أمام نفسك.

شخص يسبقك بخطوة قريبة قد يمنحك فكرة يمكن التعلم منها، بينما مقارنة حياتك بشخص يختلف

 عنك كثيرا في الموارد والمرحلة قد تولد إحساسا بالفجوة أكثر مما تولد معلومة قابلة للاستخدام.

تشابه العمر لا يعني تشابه نقطة البداية أو الالتزامات

أحد أسباب قوة المقارنة أننا نختار غالبا أشخاصا يشبهوننا في شيء واضح.

زميل دراسة، قريب في العمر، شخص في المجال نفسه.

التشابه يجعل النتيجة تبدو عادلة للمقارنة، لكنه لا يجعل المسارين متطابقين.

قد تختلف الموارد والدعم والالتزامات والصحة والفرص والموقع ونوع العمل والقرارات السابقة.

بعض هذه الفروق ظاهر وبعضها لا تعرفه أصلا.

لذلك لا تستطيع استنتاج أنك أبطأ لمجرد أن شخصا في عمرك وصل إلى نتيجة معينة قبلك.

لكن المهم ألا تستخدم هذه الفروق بالطريقة المعاكسة أيضا.

اقرأ ايضا : لماذا أؤجل ما أحبه حتى أنتهي من مسؤوليات لا تنتهي

لا تحتاج إلى اختراع قصة تقول إن كل من سبقك كان أكثر حظا أو أن إنجازه يحمل ثمنا خفيا.

قد يكون اجتهد أكثر في ذلك المجال أو اختار أولوية مختلفة أو التقط فرصة مناسبة.

الإنصاف الحقيقي لا يقلل من إنجاز الآخر ولا يقلل منك.

هو فقط يمنع العمر أو الشهادة المشتركة من التحول إلى دليل كاف على أنكما كان يجب

 أن تصلا في الوقت نفسه.

قد تكون راضيا عن حياتك لكن غير راض عن ترتيبك بين الناس

هذه مفارقة مهمة.

الرضا عن الواقع وترتيبك النسبي أمام الآخرين ليسا السؤال نفسه.

قد تكون علاقتك بأسرتك جيدة وعملك مستقرا وديونك تحت السيطرة، ثم تشعر بالنقص لأن شخصا 

آخر يملك دخلا أعلى.

وقد تكون راضيا عن مسارك المهني حتى ترى من حصل على منصب أسرع.

هنا لم تنهار جودة حياتك، لكن ترتيبك المتخيل في مجموعة المقارنة تغير.

المشكلة تظهر عندما نعطي هذا الترتيب سلطة أكبر من تقييمنا المباشر للحياة التي نعيشها.

يصبح ما لديك أقل قيمة لا بسبب عيب فيه، بل لأن شخصا آخر يملك نتيجة أوضح أو أسرع.

أبحاث حديثة عن المقارنات تشير إلى أن المقارنة الاجتماعية قد تؤثر في تقدير الحالة الحالية، بينما المقارنة بالذات عبر الزمن تعطي نوعا مختلفا من المعلومات.

لذلك يفيد أن تسأل كيف تغيرت أنا، لا فقط أين أقف بين الآخرين.

هذا لا يعني أن تقنع نفسك بالرضا إذا كنت فعلا تهمل هدفا مهما.

بل يعني أن تستخدم أكثر من مقياس قبل إصدار حكم كبير على حياتك.

التقدم الظاهر ليس المقياس الوحيد لكنه ليس بلا قيمة أيضا

الترقية أو زيادة الدخل أو تأسيس مشروع أو شراء منزل قد تكون إنجازات حقيقية ومهمة لأصحابها.

كما أن الاستقرار قد يكون اختيارا ناضجا، وقد يكون أحيانا بقاء في وضع لم يعد مناسبا بسبب الخوف من التغيير.

لذلك لا تحاول علاج المقارنة بإقناع نفسك بأن كل نجاح ظاهر سطحي، أو أن كل بطء دليل عمق.

هذا يستبدل مقارنة غير عادلة بقصة مريحة لكنها غير دقيقة.

الأفضل أن تحدد ما الذي تعتبره تقدما في المجال الذي يهمك.

إذا كنت تريد تقدما مهنيا فهناك مؤشرات مهنية يجب النظر إليها.

وإذا اخترت في مرحلة معينة إعطاء الأسرة أو الصحة أو التعلم أولوية أكبر، فمن الطبيعي أن يتغير توزيع وقتك ونتائجك.

النضج هنا هو قبول ثمن الأولوية التي اخترتها، ثم مراجعتها عندما لا تعود مناسبة.

وسائل التواصل تزيد عدد المقارنات لكنها ليست السبب الوحيد

الشاشات تجعل أخبار الإنجازات متاحة طوال اليوم، ولذلك تستطيع أن تزيد فرص المقارنة الصاعدة.

دراسات حديثة على استخدام الشبكات الاجتماعية تربط بعض أشكال المقارنة الصاعدة بانخفاض الرفاه أو تقدير الذات في عينات مختلفة، لكن التأثير ليس واحدا عند الجميع ولا يثبت أن المنصة وحدها صنعت الشعور.

قد يأتي الإحساس نفسه من مجلس عائلي أو حديث في العمل أو مجموعة أصدقاء.

حتى من دون هاتف توجد توقعات حول من تزوج ومن ترقى ومن اشترى ومن انتقل إلى مرحلة جديدة.

لهذا لا تختزل الحل في حذف التطبيقات.

إذا كانت المشكلة في أنك تعطي كل خبر عن شخص قريب منك معنى زمنيا يخصك أنت، فقد يستمر الحكم حتى بعد تقليل التصفح.

يمكنك تقليل التعرض الذي تعرف أنه يشعل المقارنة بلا فائدة، لكن الأهم أن تتعلم ماذا تفعل بالمعلومة عندما تصل.

هل هي معلومة عن حياة صاحبها، أم تحولت مباشرة إلى حكم على توقيت حياتك.

استخدم اختبار مقياس التأخر قبل أن تصدق الشعور

يمكنك استخدام إطار تحريري يسمى اختبار مقياس التأخر.

هذا إطار تحريري أصلي، وليس اختبارا نفسيا أو معيارا رسميا.

ابدأ بالهدف.

هل الشيء الذي تشعر بالتأخر فيه هدف اخترته فعلا، أم أصبح مهما فقط لأن شخصا آخر حققه.

ثم افحص الموعد.

من أين جاء الاعتقاد بأن هذا الهدف كان يجب أن يتحقق الآن.

هل توجد ضرورة واقعية مرتبطة بالعمر أو المسؤولية، أم مجرد توقع اجتماعي مرن.

بعد ذلك انظر إلى دليلك الشخصي.

هل تقدمت مقارنة بما كنت عليه، وهل سلوكك الحالي يقربك من هدفك، أم أنك فعلا متوقف وتحتاج إلى تعديل.

ثم ضع السياق.

ما الفروق المؤثرة التي تعرفها بين مسارك ومسار الشخص الذي تقارن نفسك به من دون اختراع أعذار أو قصص عن حياته.

وأخيرا اسأل عن القرار.

هل المقارنة أعطتك خطوة مفيدة تستطيع اتخاذها، أم أعطتك فقط شعورا عاما بأنك أقل.

إذا لم تنتج معلومة أو قرارا فهي مقياس ضعيف لإدارة حياتك.

بعض شعور التأخر مفيد عندما يكشف هدفا مهملا

ليس المطلوب إسكات كل انزعاج يظهر عند رؤية تقدم الآخرين.

أحيانا يكون الشعور معلومة صادقة.

قد ترى شخصا يطور مهارة كنت تؤجلها منذ زمن، فتدرك أن سبب انزعاجك ليس ترتيبه أمامك 

بل أنك ابتعدت عن هدف يهمك أنت.

هنا يمكن للمقارنة أن توقظ الدافعية بدلا من أن تسحب الرضا.

البحث في المقارنة الصاعدة يبين أن أثرها ليس سلبيا فقط.

قد تزيد الرغبة في التحسن عندما ترى الفارق قابلا للتقليل وتؤمن أن لديك قدرة على الحركة،

بينما الفروق الكبيرة جدا قد ترتبط أكثر بالانسحاب أو المشاعر السلبية.

لذلك لا تسأل كيف أتوقف عن الشعور بالتأخر نهائيا.

اسأل هل يوجد هدف حقيقي خلف الشعور.

إذا وجد، حدد الخطوة التي تخصك.

وإذا لم يوجد إلا رغبة في مساواة توقيت شخص آخر، فلا تجعل الانفعال يصنع لك هدفا لم تختره.

قس حياتك بمسارك من دون أن تنغلق عن معايير الواقع

البديل عن سباق الآخرين ليس أن تقول لكل نتيجة إن لكل شخص توقيته ثم تتوقف عن المراجعة.

بعض الأهداف لها متطلبات واقعية، وبعض القرارات تتأثر بالمال والصحة والعمر والالتزامات والفرص.

الفكرة أن تستخدم هذه المعايير لأنها تخص قرارك، لا لأنها ظهرت في حياة شخص آخر.

راجع ما يهمك وما تأخر فعلا وما يحتاج إلى خطة، وفي الوقت نفسه احتفظ بمؤشرات تثبت التقدم

 الذي لا يظهر في ترتيب اجتماعي.

قد يكون لديك هدف مهني يحتاج إلى حركة أسرع.

وقد يكون لديك استقرار أسري لا تريد التضحية به من أجل سباق لا يهمك.

ويمكن أن يكون الأمران صحيحين معا.

عندما تشعر أنك متأخر عن الآخرين رغم أنك تتقدم، لا تحاول إلغاء الشعور ولا تصدقه فورا.

افحص المقياس الذي صنعه.

اقرأ ايضا : لماذا يمتلئ يومك بطلبات الآخرين قبل أن تصل لأولوياتك

إذا كان يكشف هدفا مهملا فاستخدمه، وإذا كان مجرد موعد مستعار من حياة غيرك فأعد الحكم إلى مسارك أنت.

بهذا لا تصبح أقل طموحا ولا أكثر رضوخا.

تصبح أدق في معرفة متى تحتاج إلى الحركة ومتى تحتاج فقط إلى التوقف عن قياس حياتك بساعة لا تخصها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال