لماذا أؤجل ما أحبه حتى أنتهي من مسؤوليات لا تنتهي
ذاتك في مرحلة النضج
تقول لنفسك إنك ستقرأ حين تنتهي من العمل، وستعود إلى هوايتك بعد ترتيب البيت، وستتعلم المهارة التي تحبها عندما تخف الطلبات من حولك.
يبدو القرار منطقيا، لأن المسؤولية
تأتي أولا وما تحبه يمكن تأجيله إلى وقت أهدأ.
لكن الوقت الأهدأ لا يصل بالطريقة التي تخيلتها.
تنتهي مهمة فتظهر أخرى، وتغلق ملفا فتتذكر اتصالا، ويأتي المساء وقد بقي من يومك
ما يكفي للجلوس فقط لا للبدء في شيء
كنت تنتظره بشغف.
هنا قد تظن أنك ضعيف الانضباط أو أنك تخاف من مواجهة نفسك.
أحيانا يكون هذا صحيحا في جزء من الصورة، لكنه ليس التفسير الوحيد.
قد تكون مسؤولياتك كثيرة فعلا، وقد تكون تعلمت أيضا قاعدة داخلية بسيطة،
ما أحبه يأتي بعد كل ما يجب فعله.
المشكلة في هذه القاعدة أن ما يجب فعله لا يملك نهاية واضحة.
وحين تجعل الأشياء التي تحبها
مشروطة بفراغ كامل، فأنت لا تؤجل نشاطا واحدا فقط، بل تعطي المسؤوليات حقا مفتوحا
في أن تسبق حياتك الشخصية كل يوم.
المشكلة ليست دائما تسويفا
التسويف في علم النفس يشير غالبا إلى تأخير غير ضروري لمهمة تنوي إنجازها رغم توقع ضرر من هذا التأخير.
لذلك لا يصح أن نضع كل مرة تؤجل فيها القراءة أو المشي أو تعلم مهارة
داخل خانة واحدة.
قد تؤجل ما تحبه لأن وقتك امتلأ فعلا بما هو أهم في ذلك اليوم.
وقد تؤجله لأنك مرهق.
وقد يكون النشاط نفسه صعبا ويوقظ خوفا من الفشل أو الكمال.
وقد تكون المشكلة فقط أنك
لا تمنحه مكانا في جدولك إلا بعد انتهاء كل شيء آخر.
هذا التفريق مهم لأنه يمنعك من اختراع سبب نفسي عميق لكل يوم مزدحم.
إذا كانت لديك رعاية أسرية ثقيلة أو ساعات عمل طويلة أو ظرف مؤقت، فقلة المساحة
قد تكون واقعا
وليست حيلة من عقلك.
وفي المقابل، إذا كانت الأسابيع تمر وكل مساحة قابلة للاختيار تذهب تلقائيا إلى مهمة إضافية،
فهنا يصبح من المفيد فحص القاعدة التي ترتب بها يومك لا كمية المسؤوليات
وحدها.
قاعدة العمل أولا تجعل الفراغ شرطا لا يتحقق
يميل كثير من الناس إلى الاعتقاد أن العمل يجب أن يسبق المتعة، لأنهم يتوقعون أن وجود مهمة معلقة سيفسد عليهم النشاط الذي يحبونه.
هذه الفكرة تبدو بديهية، لكنها ليست
دقيقة دائما.
في تجارب قارنت بين المتعة قبل العمل وبعده، توقع المشاركون أن يستمتعوا أكثر إذا أنهوا المهمة المجهدة أولا.
لكن تجربتهم الفعلية للمتعة لم تكن أسوأ عندما جاءت قبل
العمل في عدد من المواقف التجريبية.
المعنى ليس أن تترك واجباتك وتبدأ يومك بالترفيه.
المعنى أن وجود مهمة غير منتهية لا يجعل
كل وقت شخصي عديم القيمة تلقائيا.
حين تربط القراءة أو الرياضة أو الهواية بشرط الانتهاء الكامل، يصبح الشرط نفسه هو المشكلة.
لأن اليوم الطبيعي لا يغلق كل ملفاته في لحظة واحدة، وبعض المسؤوليات مستمرة بطبيعتها
ولا يمكن شطبها نهائيا.
الأكثر واقعية أن تسأل ما الذي يجب أن ينتهي اليوم فعلا، وما الذي يستطيع الانتظار من دون ضرر،
ثم تضع لما تحبه مكانا داخل اليوم لا بعد نهاية الحياة اليومية كلها.
أحيانا يكون نقص الوقت حقيقيا لا نفسيا
من السهل أن يتحول خطاب تطوير الذات إلى اتهام مبطن، إذا لم تجد وقتا لنفسك فأنت لا تضع حدودا
أو لا تقدر ذاتك.
هذا غير عادل في كثير من الحالات.
العمل الطويل، ورعاية الأطفال، ورعاية والدين كبيرين، والعمل المنزلي، والتنقل، والالتزامات الصحية قد تقلل وقت الفراغ فعلا.
ودراسة على نساء في منتصف العمر وجدت
أن ساعات العمل والأعمال المنزلية وأعباء الرعاية ارتبطت بانخفاض الشعور بكفاية
وقت الفراغ.
إذن لا تبدأ بإدانة نفسك.
افصل بين ضيق الوقت الحقيقي وبين الطريقة التي تستخدم بها
المساحة التي بقيت لك.
قد لا تستطيع صناعة ساعة هادئة كل يوم، لكن ربما تملك مساحة صغيرة تضيع لأنها لا تبدو كافية للنشاط الذي تحبه.
اقرأ ايضا : لماذا يزعجك من يراك كما كنت لا كما أصبحت
وقد تملك مساء خفيفا ثم تملؤه تلقائيا بأعمال يمكن نقلها
إلى وقت آخر لأن إنهاء المزيد يمنحك شعورا بأنك كنت مسؤولا.
الهدف ليس إنكار ظروفك، بل منع الظروف الحقيقية من أن تتحول إلى قاعدة دائمة تقول
إن ذاتك تأتي دائما في المرتبة الأخيرة.
الشعور بأن المتعة غير منتجة يغير علاقتك بها
هناك فرق بين أن تؤجل نشاطا لأن لديك واجبا عاجلا، وبين أن تشعر بالذنب لمجرد أنك تفعل
شيئا
لا ينتج مالا ولا يحل مشكلة ولا يخدم شخصا آخر.
بحث في مفهوم ذنب وقت الفراغ وجد أن بعض الناس يشعرون بالذنب أو عدم الارتياح أثناء
الأنشطة الترفيهية، وأن الميل الأعلى لهذا الشعور ارتبط بتجارب فراغ أقل جودة
وبفائدة نفسية أقل من تلك الأنشطة.
ودراسة أقدم وجدت أن النظر إلى وقت الفراغ على أنه مضيعة يقلل الاستمتاع نفسه.
أي أنك قد تمنح نفسك الوقت أخيرا، ثم تفسده داخليا لأن جزءا منك ما زال يحاكمه بوصفه وقتا
غير منتج.
هذا لا يعني أن كل هواية ضرورة صحية، ولا أن كل رغبة يجب أن تحصل على وقت متساو مع الواجبات.
لكنه يعني أن الإنتاجية ليست المعيار الوحيد الذي يحدد قيمة الساعة.
قراءة كتاب، أو تعلم شيء تحبه، أو الجلوس مع شخص ترتاح إليه، أو ممارسة نشاط إبداعي قد تكون
أشياء تختارها لأنها جزء من حياة تريد أن تعيشها، لا لأنها ستجعلك موظفا أفضل
في اليوم التالي.
لا تجعل الخوف من الفشل تفسيرا جاهزا
قد يُفسَّر الانشغال بالمسؤوليات أحيانًا بوصفه درعًا يحمي من اختبار القدرات في الشيء الذي تحبه.
هذا احتمال معقول لبعض الناس، لكنه لا يصلح كتشخيص عام.
إذا كنت تؤجل كتابة رواية أو بدء مشروع أو تعلم مهارة تقيم بها نفسك، فقد يكون القلق من الأداء أو الكمال جزءا من التأجيل.
أبحاث التسويف تدعم ارتباط التأجيل بصعوبة تنظيم المشاعر المرتبطة بالمهمة، وتظهر علاقات
بين بعض صور الكمالية غير المتكيفة
والتسويف.
لكن الشخص الذي يؤجل المشي أو القراءة الخفيفة أو لقاء صديق ليس بالضرورة خائفا من الفشل.
وقد يكون السبب ببساطة أن هذه الأنشطة لا تحمل موعدا نهائيا ولا شخصا آخر
سيحاسبه عليها.
لذلك اختبر التفسير بدلا من تبنيه.
إذا وجدت وقتا خاليا فهل تبدأ الشيء الذي تحبه بسهولة، أم تنشغل فجأة بمهمة جانبية.
هل النشاط نفسه يثير خوفا أو تقييما للذات،
أم أنه يختفي من الجدول فقط لأن لا أحد يطالبك به.
الفرق يحدد الحل.
الخوف من البدء يحتاج معالجة معاييرك وتوقعاتك، أما النشاط الذي لا يجد
مكانا أصلا فيحتاج قرارا في توزيع الوقت.
افصل ما تحبه عن مكافأة نهاية اليوم
حين تتعامل مع النشاط المحبب كمكافأة، يصبح أول شيء يسقط عندما يزدحم اليوم.
لا أحد يلغي موعد العمل لأنه لم ينته من كل شؤون البيت، لكن كثيرين يلغون القراءة أو الرياضة
أو الهواية بالمنطق نفسه كل مرة.
الحل ليس أن تضع ما تحبه فوق كل مسؤولية.
بل أن تنقله من خانة المكافأة المتبقية إلى خانة
الشيء الذي له موعد وحد أدنى معروف.
قد يكون ذلك وقتا قصيرا في يوم مزدحم، أو مساحة أطول في أيام أخرى.
لا توجد مدة سحرية.
المهم أن يكون القرار سابقا لازدحام اللحظة، لأن انتظار الشعور بأن كل شيء تحت السيطرة يعيدك إلى الشرط القديم نفسه.
ومن المفيد أيضا أن تميز بين الراحة السلبية وبين النشاط الذي يهمك.
بعد يوم طويل قد تحتاج فعلا إلى الجلوس بلا جهد، فلا تحول كل فراغ إلى مشروع تطوير ذات جديد.
المقصود أن يكون لديك اختيار واع.
بعض الأيام تحتاج إلى راحة، وبعضها يسمح بمساحة لما تحب، ولا ينبغي أن يكون الحكم الوحيد
هو هل انتهت جميع الواجبات أم لا.
حدد نقطة كفاية للمسؤوليات في اليوم
قائمة المهام لا تقول لك متى يكفي ما أنجزته.
تستطيع دائما الرد على رسالة أخرى، وترتيب
درج آخر، ومراجعة ملف إضافي، والبدء في عمل يخص الغد.
لذلك تحتاج أحيانا إلى قاعدة توقف، لا إلى قائمة أطول.
حدد قبل أن يبدأ اليوم ما الذي يعد ضروريا، وما الذي يعد مهما لكن يمكن نقله، وما الذي تفعله
فقط لأن وجود بند
غير مكتمل يزعجك.
عندما تصل إلى الحد الذي قررته، اسمح لبعض الأعمال بالبقاء إلى الغد.
هذا ليس دعوة إلى الإهمال، بل اعتراف بأن إدارة الحياة تتضمن اختيار ما لن تفعله الآن أيضا.
إذا كانت هناك مهمة لها عاقبة حقيقية عند التأجيل فقدمها.
أما إذا كان الاختيار بين ترتيب
تفصيل إضافي وبين نشاط لم تمنحه وقتا منذ مدة، فلا تجعل مجرد ظهور المهمة سببا
كافيا لإلغاء ما اخترته لنفسك.
بهذا تتغير العلاقة مع المسؤولية.
تصبح المسؤولية إنجاز ما يلزم بوعي، لا محاولة إفراغ
قائمة يمكنها أن تتجدد بلا نهاية.
لا تحول الوقت الشخصي إلى واجب جديد
عندما تكتشف أنك أهملت ما تحبه قد تبالغ في التصحيح.
تضع خطة مزدحمة للقراءة والرياضة والتعلم والعلاقات، ثم تتحول الأشياء التي اشتقت إليها إلى قائمة
أداء جديدة.
هذا يعيد المشكلة بصورة مختلفة.
النشاط الذي تحبه لا يحتاج دائما إلى هدف كبير أو قياس
مستمر أو نتيجة يمكن عرضها.
إذا كنت تتعلم مهارة لهدف واضح فمن الطبيعي أن تحتاج إلى انتظام وممارسة.
أما إذا كنت تقرأ
لأن القراءة تهمك، فلا تجعل كل جلسة اختبارا لإنتاجيتك.
اترك مساحة للأنشطة التي تكون قيمتها في ممارستها نفسها.
البحث في وقت الفراغ يشير إلى أن رؤية الفراغ بوصفه هدرا ترتبط باستمتاع أقل، بينما تظهر أبحاث
أخرى أن بعض الأنشطة
التي تتطلب جهدا يمكن أن تمنح معنى حتى لو لم تكن الأكثر متعة لحظيا.
المعيار هنا ليس سهولة النشاط أو صعوبته.
المعيار أنك اخترته لأنه يمثل جزءا من حياتك، لا لأنه بند جديد تثبت به أنك شخص منظم.
راقب ما تؤجله وما الذي يزاحمه فعلا
قبل أن تقول إن مسؤولياتك لا تنتهي، راقب عدة أيام كما هي.
عندما تلغي شيئا تحبه، سجل ما
الذي أخذ مكانه فعلا.
قد تكتشف أن السبب كان واجبا لا يمكن تأجيله، وهذا يحترم واقعك.
وقد تكتشف أن الوقت ذهب إلى تصفح مشتت أو أعمال صغيرة لم تكن عاجلة.
وقد ترى أن المشكلة تظهر فقط مع نشاط معين
يثير عندك توقعات عالية أو خوفا من عدم الإتقان.
هذه الملاحظة تمنع الحكم السريع.
ليست كل مسؤولية عدوا لوقتك، وليست كل هواية أولوية، وليست كل مرة تؤجل فيها نفسك
دليلا على أنك تعيش للآخرين.
لكن إذا ظهر نمط ثابت، كل ما يخصك ينتظر حتى تنتهي قائمة لا تنتهي، فالمشكلة أصبحت في شرط
الدخول إلى حياتك الشخصية.
لا تنتظر يوما بلا مسؤوليات، لأنه قد لا يأتي بالصورة التي تتخيلها.
اقرأ ايضا : لماذا يتحول إنجازي سريعًا إلى ضغط للحفاظ على مستواي
اختر ما يجب أن تنجزه بصدق، وحدد نقطة كفاية معقولة، ثم ضع لما تحبه مكانا قبل أن يأخذ المتاح
كله بند
جديد.
النضج هنا ليس أن تفعل كل ما تحب، ولا أن تنجز كل ما يجب.
هو أن تعرف أن اليوم المحدود لن يتسع لكل شيء، ثم تختار بوعي ما يستحق أن يعيش
داخله الآن وما يستطيع أن ينتظر.
