لماذا أتعلق بأمل أن يتغير الشخص رغم واقعه الحالي
إنسان مختلف بذات القوة
قد ترى في شخص ما صفات جميلة لا تظهر دائما.
موقف مسؤول في وقت صعب، اعتذار بدا صادقا، اهتمام عاد بعد فتور، أو لحظة رأيت فيها نسخة
أكثر هدوءا ونضجا منه.
من الطبيعي أن تلاحظ هذه الإمكانات وأن تتمنى استمرارها.
المشكلة تبدأ عندما تصبح النسخة المحتملة أهم في قرارك من النسخة التي تعيش معها فعلا.
عندها لا تعود تقيم العلاقة على السلوك المتكرر، بل على احتمال أن يستقر السلوك الأفضل في المستقبل.
وقد تمر الشهور وأنت تمنح الاحتمال وزنا أكبر من الوقائع التي تتكرر أمامك.
هذا لا يعني أن الناس لا يتغيرون.
البشر يستطيعون التعلم والنضج وتعديل السلوك، والعلاقات الداعمة قد تساعد أحيانا على ذلك.
لكن القدرة على التغير شيء، ووجود مسار واضح للتغير شيء آخر.
ما يحميك من القسوة ومن الوهم معا هو أن تفرق بين إمكانية التغير وبين الدليل على أنه يحدث بالفعل في الحياة اليومية.
الأمل في التغير ليس خطأ في حد ذاته
رؤية الخير في الآخرين ليست سذاجة تلقائيا.
كثير من العلاقات الجيدة تقوم على قدر من حسن الظن وعلى القدرة على رؤية نقاط القوة
حتى عندما يكون الشخص غير كامل.
وبعض الأبحاث وجدت أن النظر الإيجابي إلى الشريك قد يرتبط بالرضا والاستقرار في العلاقة.
كما أن الإنسان قد يتغير فعلا داخل علاقة داعمة.
يمكن لشريك أو صديق أو فرد من الأسرة أن يشجع سلوكا أفضل أو يساعد الشخص على الاقتراب من الصورة التي يريدها لنفسه.
الدعم هنا ليس وهما، والتغير الإنساني ليس مستحيلا.
لذلك المشكلة ليست أنك رأيت إمكانية جميلة في شخص.
المشكلة تبدأ حين تتحول الإمكانية إلى دين عليك أن تنتظر سداده، أو حين تصبح لحظة جيدة واحدة دليلا كافيا عندك على مستقبل لم يتشكل بعد.
الأمل الواقعي يقول إن التغير ممكن وسأراقب ما يحدث.
أما الأمل الذي يرهقك فيقول إن التغير سيحدث لأنني أحتاج أن يحدث.
وهناك فرق آخر مهم.
الاعتقاد بأن العلاقات يمكن أن تنمو وتتحسن ليس مشكلة في ذاته.
المشكلات يمكن أن تدفع الناس إلى التعلم وإعادة التفاوض وتطوير طرق أفضل للتواصل.
لكن الاعتقاد بالنمو لا يعني أن كل علاقة تتحسن بمجرد الصبر، ولا أن كل شخص سيستجيب للمحاولات بالطريقة التي نتمناها.
النمو يظل احتمالا يحتاج إلى مشاركة فعلية من الطرف الذي سيغير سلوكه.
لا تخلط بين ما يستطيع الشخص أن يكونه وما يفعله الآن
قد يكون الشخص قادرا نظريا على أن يصبح أكثر التزاما أو هدوءا أو مسؤولية.
لكنه في الوقت الحالي قد لا يكون قد اتخذ الخطوات التي تجعل هذه القدرة جزءا من حياته اليومية.
هذه المسافة بين القدرة والسلوك مهمة.
نحن نستطيع أن نتخيل أفضل نسخة من أي شخص تقريبا إذا جمعنا أجمل لحظاته وأقوى صفاته واستبعدنا السلوكيات التي تؤلمنا.
لكن القرار لا يعيش داخل هذه الصورة المركبة، بل داخل الأيام العادية التي تتكرر.
ولهذا لا يكفي أن تقول إنه طيب في الأصل، أو أنه يعرف الصواب، أو أنه يستطيع لو أراد.
هذه العبارات تصف احتمال القدرة أكثر مما تصف المسار الحالي.
انظر إلى ما يحدث عندما لا توجد أزمة ولا خوف من خسارة ولا لحظة مصالحة كبيرة.
كيف يتصرف في الأيام العادية، وكيف يتعامل مع المسؤولية عندما لا يراقبه أحد،
وكيف يعود إلى السلوك بعد الخطأ.
هنا تبدأ صورة الواقع في الظهور بصورة أوضح.
اللحظة الجميلة لا تكفي وحدها لتوقع المسار
قد يكون الشخص باردا معظم الأسبوع ثم يأتي بموقف دافئ يغير شعورك كله.
وقد يعتذر بصدق بعد خلاف ثم يعود لاحقا إلى السلوك نفسه.
هذه اللحظات ليست بالضرورة خداعا، لكنها أيضا ليست وحدها دليلا على تغير مستقر.
العقل يميل بسهولة إلى إعطاء الحدث الذي يتمناه وزنا أكبر.
فإذا كنت تنتظر منذ مدة علامة تقول إن الأمور ستتحسن، فقد تصبح إشارة صغيرة ذات قيمة ضخمة
لأنها توافق ما تريد تصديقه.
الأبحاث الحديثة عن تفضيلات الشريك تشير إلى أن ما نتمناه في الشريك قد يؤثر في الطريقة
التي ندرك بها صفاته.
هذا لا يعني أنك تتخيل كل شيء، لكنه يذكرنا بأن الرغبة نفسها قد تدخل في عملية التقييم.
لذلك لا تسأل فقط هل رأيت منه سلوكا أفضل.
اسأل هل أصبح هذا السلوك أكثر تكرارا وثباتا، وهل يظهر في ظروف مختلفة، وهل يحتاج
في كل مرة إلى أزمة جديدة حتى يعود.
التغير الحقيقي يظهر في مسار لا في وعد
الوعد قد يكون صادقا لحظة قوله.
والاعتذار قد يكون صادقا أيضا.
لكن صدق المشاعر في لحظة معينة لا يكفي وحده لإثبات أن القدرة على إدارة السلوك ستتغير بعد ذلك.
المؤشر الأقوى هو أن يبدأ الشخص نفسه في تسمية المشكلة وتحمل مسؤوليته عنها، ثم يحول ذلك إلى أفعال يمكن ملاحظتها.
قد يطلب مساعدة، أو يغير طريقة تعامله مع موقف متكرر، أو يصلح ما أفسده، أو يبني ترتيبا يمنع الخطأ من العودة بالطريقة نفسها.
المهم أيضا أن تقل حاجتك إلى دفعه كل مرة.
إذا كان التحسن لا يظهر إلا بعد ضغط شديد ثم يختفي بمجرد هدوء الأزمة، فهذه معلومة مختلفة
عن تغير أصبح الشخص نفسه يحمله ويحافظ عليه.
والانتكاسة لا تعني أن كل تغير زائف.
اقرأ ايضا : متى تتحول طيبتك إلى التزام يتوقعه الآخرون منك
التغير البشري قد يتعثر.
الفرق أن المسار الحقيقي يستطيع استيعاب التعثر والعودة إلى المحاولة، بدلا من أن تتحول كل انتكاسة إلى بداية جديدة من الصفر.
راقب كذلك من يحمل عبء المتابعة.
إذا كان الشخص يلاحظ خطأه بنفسه ويصححه أحيانا قبل أن تطلب، فهذه معلومة مختلفة
عن تحسن لا يبدأ إلا بعد تذكير طويل.
استقلال السلوك الجديد عن مراقبتك لا يثبت الكمال، لكنه يعطيك دليلا أقوى
على أن التغير أصبح جزءا من مسؤولية الشخص نفسه.
محاولة تغيير الآخر ليست هي نفسها مساعدته على التغير
يمكنك أن تطلب تغييرا تحتاجه العلاقة.
يمكنك أن تشرح أثر سلوك معين عليك، وأن تشجع خطوة أفضل، وأن تعبر عن تقديرك
عندما ترى جهدا حقيقيا.
هذا كله يختلف عن أن تصبح مسؤولا عن صناعة التغير داخل الشخص.
الأبحاث حول محاولات الشركاء تغيير بعضهم تشير إلى أن هذه المحاولات ليست ناجحة دائما،
وأن الأساليب الإيجابية ترتبط بنجاح محدود أكثر من الضغط واللوم.
كما أن الدافعية التي يشعر بها الشخص من داخله تبدو مهمة في استمرار السلوك الجديد.
هذه نقطة تحمي الطرفين.
أنت تستطيع أن تؤثر، لكنك لا تستطيع أن تستعير إرادة شخص آخر وتضعها مكانه.
وهو يستطيع أن يتلقى الدعم، لكن لا يكفي أن يرغب من حوله في تغييره إذا لم يتحول التغيير
إلى هدف يملكه هو.
لذلك اسأل عن مكان المسؤولية.
هل أنت تساند جهدا بدأه الشخص، أم أنك تحمل الخطة وتذكر وتلاحق وتعيد تفسير
كل تراجع حتى يستمر المشروع.
لا تجعل تفسيرك لنيته بديلا عن تقييم سلوكه
من السهل أن تقول إن الشخص يتصرف بهذه الطريقة لأنه متعب، أو لأنه لم يتعلم، أو لأنه يخاف القرب، أو لأنه مر بظروف صعبة.
وقد يكون بعض هذا صحيحا بالفعل.
لكن معرفة السبب لا تجعل الأثر يختفي.
كما أنك لا تستطيع في كثير من المواقف معرفة الدافع الداخلي بدقة من الخارج.
السلوك الواحد قد يخرج من أسباب متعددة، ولذلك لا تبن قرارك كله على تفسير لا تستطيع التحقق منه.
الأكثر عدلا أن تفصل بين أمرين.
يمكنك أن تتفهم أن وراء السلوك ظروفا أو صعوبات، وفي الوقت نفسه تلاحظ أن السلوك الحالي
لا يناسبك أو لا تستطيع الاعتماد عليه.
بهذه الطريقة لا تحول الشخص إلى شرير، ولا تحول نفسك إلى معالج له.
أنت فقط تتعامل مع ما تستطيع ملاحظته، ومع الأثر الذي يتركه عليك، ومع مقدار التغير
الذي ظهر فعلا لا الذي تستطيع تخيله.
لا تجعل التغيير المؤقت دليلا قاطعا على الخداع
قد يتحسن الشخص مؤقتا لأنه خاف الخسارة، وقد يكون الخوف نفسه لحظة أدرك فيها أثر سلوكه بصدق.
وقد يريد التغيير لكنه لا يملك بعد مهارات كافية للحفاظ عليه.
وقد يكون التحسن سطحيا فعلا.
من دون أدلة إضافية لا نعرف النية.
لذلك لا تجعل الحكم على الدافع هو مهمتك الأساسية.
راقب الاستمرار.
هل ظهر تحمل للمسؤولية، وهل تغير السلوك في الأوقات العادية، وهل أصبحت العودة بعد التعثر أسرع، وهل يحتاج الأمر إلى تهديد متكرر حتى يتحرك.
الاستمرارية لا تكشف
القلب، لكنها تعطينا معلومات أفضل عن الواقع من محاولة قراءة القلب.
ابن قرارك على الدليل الحالي لا على النسخة المستقبلية
هناك فرق بين أن تمنح الإنسان فرصة وبين أن تجعل مستقبلك كله معلقا على نتيجة لا يملكها إلا هو.
الفرصة لها حدود واقعية، وتسمح لك بالملاحظة والتعلم.
أما الانتظار المفتوح فيجعل كل يوم مؤجلا إلى نسخة لم تصل بعد.
اسأل نفسك ما الذي ستختاره لو لم يكن لديك وعد بأن الشخص سيتغير.
لا تحتاج إلى افتراض أنه لن يتغير أبدا.
فقط انزع المستقبل المفترض من الحساب للحظة، وانظر إلى العلاقة كما تعمل اليوم.
إذا كانت مقبولة لك بواقعها الحالي مع وجود مساحة معقولة للتحسن، فالأمل لا يحتاج إلى أن يحمل العلاقة وحده.
أما إذا كانت لا تصبح مقبولة إلا بعد سلسلة كبيرة من التغييرات التي لم تبدأ بعد، فهذه معلومة مهمة عن مقدار ما تعتمد عليه من المستقبل.
هذا الاختبار لا يأمرك بالبقاء ولا بالابتعاد.
هو يمنع الاحتمال من أن يتنكر في صورة حقيقة.
وقد يكون القرار أحيانا أن تستمر مدة وأنت تراقب اتجاها محددا، أو أن تغير شكل العلاقة، أو أن تقلل اعتمادك على وعد لم يتحقق بعد.
المهم ألا تجعل قرارك الحالي رهينة لصورة مستقبلية لا يوجد لها حتى الآن مسار يمكن ملاحظته.
راقب اتجاه التغير بدل البحث عن لحظة تثبت أملك
بدلا من السؤال هل تغير، انظر إلى الاتجاه.
هل السلوك الأفضل أصبح أكثر ظهورا مع الوقت، وهل التراجع أقل حدة أو أقصر، وهل يتحمل الشخص مسؤوليته من دون أن تضطر إلى شرح المشكلة من البداية في كل مرة.
راقب أيضا هل يمتد التغير إلى المواقف التي كانت تظهر فيها المشكلة أصلا.
من السهل أن يكون الشخص هادئا في يوم مريح، لكن قيمة التغير تظهر عندما يبدأ في استخدام السلوك الجديد في الظروف التي كانت تستدعي النمط القديم.
ولا تبحث عن الكمال.
الهدف ليس أن يتحول الإنسان إلى نسخة بلا أخطاء.
الهدف أن يصبح لديك دليل متراكم على أن هناك اتجاها جديدا، وأن هذا الاتجاه لا يعتمد بالكامل على ضغطك أو مراقبتك.
إذا لم يظهر هذا الدليل فابق دقيقا في لغتك مع نفسك.
قل إنك ترى إمكانية، لا إنك ترى تغيرا.
وقل إن هناك وعدا، لا إن هناك مسارا.
هذا الفرق الصغير في الكلمات يمنع الأمل من أن يسبق الواقع.
وفي العلاقات التي تتضمن خوفا أو تهديدا أو عنفا أو سيطرة مؤذية، لا تجعل انتظار التغير بديلا عن حماية السلامة وطلب دعم مناسب.
الأمل في تحسن شخص لا يطلب منك تحمل خطر مستمر حتى يثبت أنه قادر على التغير.
في النهاية ليس المطلوب أن تتوقف عن رؤية الخير في الناس، ولا أن تحكم عليهم بأنهم لن يتغيروا.
المطلوب أن تمنح الواقع وزنه الكامل.
الناس قد يتغيرون، وقد يساعدهم الحب والدعم على النمو، لكن قرارك يحتاج إلى الشخص الموجود أمامك وإلى الاتجاه الذي تستطيع ملاحظته الآن، لا إلى أفضل نسخة تستطيع مخيلتك رسمها له.
اقرأ ايضا : متى أطلب المساعدة بدل أن أواصل المحاولة وحدي
أحيانًا لا نتعلق بالشخص كما هو، بل بالصورة التي نتمنى أن يصبح عليها. نرى إمكاناته، نتذكر لحظاته الجميلة، ونقول لأنفسنا: «ربما يتغير مع الوقت».
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمل أقوى من الواقع، فنبرر ما يؤلمنا، وننتظر نسخة من الشخص لم تظهر بعد، ونؤجل قرارنا لأننا متمسكون بما يمكن أن يكون بدل ما هو موجود فعلًا.
التعلق بأمل التغيير قد يجعلك تعيش في انتظار مستمر، بينما العلاقة الحقيقية تحتاج أن تُبنى على ما يقدمه الإنسان الآن، لا على وعود التغيير التي نتخيلها للمستقبل.
وإذا كنت تحاول أن تفهم لماذا يصعب عليك ترك التعلق بما تتمنى أن يحدث، وكيف تفرق بين الحب والأمل الذي يبقيك عالقًا، فقد تجد في «تحرّر من التعلّق» أفكارًا تساعدك على رؤية علاقتك بوضوح أكبر، واستعادة قدرتك على الاختيار دون أن تكون أسيرًا لما تتمنى أن يتغير.
