لماذا يستجيب طفلي لأحد الوالدين أكثر من الآخر

لماذا يستجيب طفلي لأحد الوالدين أكثر من الآخر

من الطفولة إلى المراهقة

أب وأم يتعاونان مع طفلهما في روتين منزلي
أب وأم يتعاونان مع طفلهما في روتين منزلي

قد يطلب الأب من طفله أن يرتدي حذاءه فلا يتحرك، ثم تكرر الأم الطلب نفسه فيستجيب بسرعة، أو يحدث العكس تماما.

هذا الموقف يجرح الطرف الذي لم يجد استجابة بسهولة، وقد يدفعه إلى تفسير ما حدث على أنه ضعف في مكانته أو تفضيل عاطفي للطرف الآخر.

لكن اختلاف الاستجابة لا يساوي اختلاف المحبة بالضرورة.

الطفل قد يتعاون مع شخص أكثر في موقف محدد بسبب التوقيت، أو طريقة الطلب، أو اعتياده على روتين معين، أو لأنه يعرف ما سيحدث بعد الطلب، أو لأن علاقته بذلك الوالد في هذه اللحظة أقل توترا.

كما أن الطفل نفسه جزء من المعادلة.

عمره ومزاجه وتعبه وحاجته إلى الاستقلال تؤثر في استجابته، لذلك لا يصح أن نحمل أحد الوالدين المسؤولية الكاملة أو أن نعامل الطفل كأنه يختار فريقا داخل البيت.

المفيد هو أن نسأل ما النمط الذي يتكرر، ومتى يظهر، ومع أي نوع من الطلبات، ثم نعدل البيئة التي تصنع الاستجابة بدل تحويل الموقف إلى منافسة على من يطيعه الطفل أكثر.

الاستجابة المختلفة لا تعني تفضيلا عاطفيا بالضرورة

بعض الأطفال يمرون بفترات يبدون فيها تفضيلا واضحا لأحد الوالدين، خاصة في سنوات الطفولة المبكرة وفي أوقات النوم أو الانفصال أو التعب.

وقد يرتبط ذلك بالألفة في روتين معين أو بمن يكون حاضرا أكثر في مهمة محددة، وليس بحكم نهائي على قيمة الأب أو الأم.

من الخطأ لذلك أن يسمع الطفل عبارات من نوع أنت لا تحبني أو أنت لا تسمع إلا كلام أمك.

هذه الجمل تجعل موقفا سلوكيا بسيطا يحمل معنى عاطفيا أكبر من حجمه، وقد تضع الطفل في موقع الدفاع عن علاقته بكل طرف.

الأدق أن تفصل بين العلاقة وبين الاستجابة للطلب.

قد يكون الطفل شديد التعلق بأبيه ومع ذلك يتعاون مع أمه أكثر وقت الاستعداد للمدرسة، لأن هذا الروتين ارتبط بها يوميا.

وقد يلجأ المراهق إلى أبيه في موضوع ويختار الحديث مع أمه في موضوع آخر من غير أن يعني ذلك أنه يحب أحدهما أكثر.

ابدأ من السلوك الذي أمامك، لا من تفسير الحب والرفض.

العمر والموقف يغيران طريقة الاستجابة

الطفل في الثالثة لا يستجيب كما يستجيب طفل في التاسعة، والمراهق لا يتعامل مع الطلب بالطريقة نفسها التي كان يتعامل بها قبل سنوات.

جزء من المقاومة في الطفولة مرتبط بتعلم الاستقلال واختبار الحدود، ولذلك يكون بعض عدم الامتثال طبيعيا في النمو ولا يحتاج إلى تحويله إلى مشكلة أسرية كبيرة.

التوقيت يغير الصورة أيضا.

طفل جائع أو مرهق أو مندمج في اللعب قد يرفض طلبا كان سيقبله بسهولة في وقت آخر.

وإذا كان أحد الوالدين هو الذي يطلب عادة الانتقال من نشاط ممتع إلى واجب أقل متعة، فقد يبدو وكأن المشكلة في شخصه بينما جزء منها مرتبط بنوع المواقف التي يتولى إدارتها.

لهذا راقب أين يحدث الفرق.

هل يظهر في النوم فقط، أو الواجبات، أو الخروج من المنزل، أو إيقاف الأجهزة، أو كل الطلبات.

كلما كان الرفض محصورا في سياق معين، كان من الأفضل فحص السياق قبل الحكم على العلاقة كلها.

طريقة الطلب قد تصنع فرقا أكبر من شخصية الوالد

الطفل لا يسمع الكلمات وحدها، بل يتعامل أيضا مع طول الطلب ونبرته وتوقيته ووضوحه.

أحد الوالدين قد يقول طلبا قصيرا ومحددا، بينما يقدم الآخر شرحا طويلا أو يكرر الطلب عدة مرات ثم يرفع صوته.

النتيجة قد تبدو وكأن الطفل يحترم أحدهما أكثر، مع أن الفرق جزئيا في طريقة إدارة الموقف.

الطلب الواضح أسهل من مجموعة تعليمات متلاحقة.

اقترب من الطفل، تأكد أنه انتبه، وقل ما تريد بجملة بسيطة تناسب عمره، ثم امنحه وقتا معقولا للاستجابة.

إذا كان هناك خيار يمكن السماح به من دون كسر القاعدة، فليكن محدودا وواضحا.

هذا لا يعني أن هناك صيغة سحرية تضمن الطاعة، فالاستجابة تتأثر بعوامل كثيرة، كما أن علاقة التأثير متبادلة بين الطفل ووالديه.

لكن مقارنة طريقة الطلب بين الأب والأم قد تكشف فروقا عملية يمكن تعديلها من غير لوم شخصي.

الروتين يقلل الحاجة إلى التفاوض مع كل والد

عندما يعرف الطفل ما الذي يحدث عادة بعد العشاء أو قبل المدرسة أو عند إغلاق الأجهزة، تقل مساحة التفاوض التي تبدأ من الصفر كل مرة.

الروتين المنتظم لا يلغي اعتراض الطفل، لكنه يجعل التوقع أوضح ويقلل ارتباط القاعدة بالشخص الذي قالها في تلك اللحظة.

إذا كان وقت النوم يتغير بحسب من يتولى المهمة، أو يسمح أحد الوالدين بما يمنعه الآخر في الموقف نفسه، فقد يتعلم الطفل أن النتيجة قابلة لإعادة التفاوض.

اقرأ ايضا : كيف أساعد طفلي الذي يجد صعوبة في تكوين صداقات؟

هذا لا يثبت أنه يتلاعب بوالديه بوعي، بل يعني أنه يتعلم من النتائج التي تتكرر أمامه.

اتفقا على عدد محدود من القواعد المهمة، واتركا مساحة للاختلاف في الأسلوب الشخصي.

لا يحتاج الأب والأم إلى نسخة متطابقة من بعضهما، لكن من المفيد ألا تصبح القاعدة الأساسية صحيحة مع أحدهما وقابلة للإلغاء فور انتقال الطفل إلى الآخر.

التناسق المطلوب هو وضوح الحدود الكبرى، لا إدارة البيت بنبرة واحدة.

لا تجعل اختلافكما بابا للمنافسة أمام الطفل

قد يبدأ الموقف بطلب بسيط، ثم يتحول إلى صراع بين الوالدين.

يقول أحدهما للآخر إن الطفل لا يحترمه، أو يتدخل الطرف الثاني لإثبات أنه يستطيع الحصول على الاستجابة أسرع.

هنا يصبح الطفل في وسط علاقة أكبر من الطلب نفسه.

التعاون بين الوالدين لا يعني أن يتفقا على كل تفصيل، لكنه يعني ألا يقوض أحدهما الآخر أمام الطفل.

إذا اختلفتما على قرار غير عاجل، يمكن مناقشته بعيدا عن لحظة المواجهة.

وإذا كان الطلب معقولا ومتفقا مع قواعد البيت، فلا تجعل تدخل الطرف الآخر وسيلة لإلغاء الوالد الذي بدأ الموقف.

وفي المقابل لا ينبغي دعم قرار خاطئ لمجرد الحفاظ على الهيبة.

إذا صدر طلب غير مناسب أو كان أحد الوالدين منفعلا جدا، يمكن تهدئة الموقف ثم مناقشة الاختلاف بين الكبار من غير تحويل الطفل إلى حكم بينهما.

الأهم ألا يشعر الطفل أن عليه اختيار طرف، وألا يصبح قربه من أحد الوالدين أداة في خلافهما.

ومن الأخطاء الشائعة أن يصبح الطرف الذي يجد استجابة أسرع مترجما دائما لطلبات الطرف الآخر.

يطلب الأب شيئا فلا يحدث شيء، فتتدخل الأم وتعيد الطلب حتى ينفذ، أو يحدث العكس.

هذا قد يحل الموقف بسرعة لكنه يبقي النمط نفسه قائما، لأن الطفل لا يتعلم التعامل مباشرة مع الوالد الذي بدأ الطلب.

إذا كان الموقف آمنا والطلب مناسبا، يمكن للطرف الآخر أن يدعم من دون أن يستولي على المهمة.

يكفي أحيانا أن يقول إنك سمعت ما طلبه والدك، أو أن يترك مساحة قصيرة للطرفين لإكمال التفاعل.

وإذا احتاج الوالد إلى تعديل طريقته، يناقش ذلك لاحقا بعيدا عن الطفل.

كما يفيد توزيع بعض المسؤوليات الروتينية بين الوالدين بدلا من تثبيت أحدهما دائما في دور المتعة والآخر في دور الواجب.

يمكن أن يتولى كل طرف أحيانا نشاطا محببا وأحيانا مهمة تحتاج إلى تنظيم، بحيث لا تصبح صورة أحدهما مرتبطة فقط بالمنع وصورة الآخر مرتبطة فقط بالتسهيل.

العلاقة خارج وقت الأوامر مهمة

إذا كانت معظم لحظات أحد الوالدين مع الطفل مرتبطة بالاستيقاظ والواجب والنوم والتصحيح، فقد تصبح العلاقة في ذهن الطرفين مثقلة بالطلبات حتى لو كانت المحبة قوية.

لذلك يفيد أن توجد مساحة مشتركة لا يكون هدفها تعديل السلوك.

لا تحتاج هذه المساحة إلى أنشطة كبيرة.

حديث قصير في السيارة، إعداد وجبة، مشي، لعبة، قراءة، أو مشاركة اهتمام يحبه الطفل قد تعطي العلاقة وجها آخر غير التعليمات.

الفكرة ليست شراء استجابة أفضل، بل أن تكون العلاقة أوسع من لحظة الأمر والنهي.

ومن المهم ألا يحاول الوالد الذي يشعر بالرفض تعويض ذلك بالتساهل المفاجئ أو الهدايا أو ترك كل الحدود.

الطفل يحتاج إلى الدفء وإلى الوضوح معا.

العلاقة القريبة لا تتعارض مع وجود قواعد، والقواعد لا تحتاج إلى أن تجعل صاحبها بعيدا عاطفيا.

مع المراهق قد تتغير الاستجابة بحسب الموضوع

في المراهقة تصبح المسألة أقل ارتباطا بالطاعة المباشرة وأكثر ارتباطا بطريقة الحوار ومساحة الاستقلال.

قد يتحدث المراهق مع أحد الوالدين عن الدراسة، ويختار الآخر عندما يكون الموضوع شخصيا، وقد يقبل نصيحة من طرف ويرفضها من الآخر بسبب طبيعة الحديث بينهما في ذلك المجال.

هذا الاختلاف لا يحتاج إلى أن يتحول إلى سباق على القرب.

الأفضل أن يسأل كل والد نفسه عن المساحة التي يفتحها للحوار، وهل يستمع قبل تقديم الحل، وهل كل حديث حساس يتحول عنده بسرعة إلى استجواب أو محاضرة.

وفي الوقت نفسه لا يعني احترام استقلال المراهق التخلي عن القواعد الأساسية.

يمكن أن تختلف نبرة الحوار وطريقته، بينما تبقى التوقعات المتعلقة بالسلامة والمسؤوليات والاحترام واضحة بين الوالدين.

إذا كان أحدكما بوابة أسهل للحديث في موضوع معين، يمكن استخدام هذا القرب لدعم التواصل الأسري لا لاحتكار أسرار المراهق أو بناء تحالف ضد الطرف الآخر.

متى يحتاج الرفض إلى انتباه أكبر

غالبا يمكن فهم اختلاف الاستجابة من خلال العمر والروتين والعلاقة وطريقة الطلب.

لكن هناك مواقف لا ينبغي اختزالها في العناد أو اختلاف أساليب التربية.

إذا ظهر خوف شديد ومفاجئ من أحد الوالدين، أو تجنب متواصل لا يشبه سلوك الطفل السابق، أو ضيق واضح عند البقاء معه، أو حديث عن أذى أو تهديد أو سلوك غير آمن، فالأولوية ليست إجبار الطفل على الاستجابة حتى نستعيد التوازن بين الطرفين.

استمع إلى ما يقوله الطفل بهدوء، ولا تلقنه إجابة ولا تستخف بما يذكره.

بحسب طبيعة القلق وعمر الطفل قد يكون من المناسب التواصل مع طبيب الأطفال أو مختص مؤهل لتقييم الصورة كاملة.

وإذا كانت هناك شبهة خطر مباشر، فحماية الطفل تأتي قبل أي محاولة لإصلاح العلاقة أو فرض التواصل.

وكذلك إذا تحول الاختلاف في الاستجابة إلى صراع يومي شديد يعطل حياة الأسرة لفترة طويلة، فقد يفيد طلب مساعدة مهنية بدل استمرار الوالدين في تبادل اللوم.

استخدم بوابة اختلاف الاستجابة قبل الحكم

قبل أن تقول إن الطفل يفضل أحدكما أو لا يحترم الآخر، راجع خمس نقاط.

العمر، هل السلوك مناسب جزئيا للمرحلة التي يمر بها.

الموقف، هل يظهر الرفض في طلبات محددة أم في العلاقة كلها.

الطريقة، هل تختلف نبرة الطلب ووضوحه وتكراره بينكما.

ثم راجع التناسق، هل يعرف الطفل القاعدة نفسها مع الطرفين أم أن النتيجة تتغير كل مرة.

وأخيرا العلاقة، هل لدى كل والد وقت يتواصل فيه مع الطفل خارج أوقات التصحيح والواجبات.

إذا ظهر الخلل في نقطة واحدة، عالجاها أولا بدلا من إعادة توزيع الأدوار كلها.

وإذا كانت القواعد واضحة لكن أحد الوالدين لا يزال يجد مقاومة، فراقبا التوقيت وطريقة الطلب ومساحة العلاقة قبل زيادة العقوبات.

اقرأ ايضا : لماذا يخاف طفلي من الخطأ رغم أنني أشجعه؟

الهدف ليس أن يستجيب الطفل للأب والأم بالطريقة نفسها في كل موقف، فهذا غير واقعي.

الهدف أن تكون علاقته بكل منهما آمنة ومحترمة، وأن يعرف أن القواعد المهمة لا تتحول إلى منافسة، وأن اختلاف قربه أو تعاونه في لحظة معينة لا يجعله مسؤولا عن طمأنة أحد والديه.

حين يتوقف الوالدان عن قياس قيمتهما بعدد المرات التي يسمع فيها الطفل كلام كل واحد منهما، يصبح من الأسهل رؤية المشكلة بحجمها الحقيقي، سلوك يمكن فهمه وتعديله، لا تصويتا عاطفيا على من يحبه الطفل أكثر.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال