لماذا يلقي طفلي اللوم على غيره عندما يخطئ
من الطفولة إلى المراهقة
ينكسر كوب فيشير طفلك إلى أخيه، يتأخر الواجب فيقول إن المعلم لم يشرح جيدًا، يقع شجار فيخبرك
أن الآخر هو من بدأ.
ومع تكرار المشهد قد تخاف أن يتحول الهروب من المسؤولية إلى عادة ثابتة ترافقه كلما أخطأ.
المشكلة أن عبارة إلقاء اللوم تجمع تحتها مواقف مختلفة.
أحيانًا يحاول الطفل تجنب عقوبة أو إحراج، وأحيانًا يصف عاملًا حقيقيًا ساهم في المشكلة، وأحيانًا يرى الحدث من زاويته فقط ولا يملك بعد قدرة ناضجة على وزن القصد والنتيجة ومسؤولية كل طرف.
لهذا لا يفيد أن نقرر مسبقًا أن الطفل خائف، أو كاذب، أو عنيد، أو فاقد للمسؤولية.
الأهم أن نعلمه طريقة أدق لقراءة ما حدث.
تحمل المسؤولية لا يعني أن يقول الطفل أنا المخطئ في كل موقف.
يعني أن يستطيع رؤية الجزء الذي يعود إليه حتى عندما يكون للآخرين أو للظروف دور أيضًا، ثم يعرف
ماذا يفعل بهذا الجزء.
إلقاء اللوم ليس هو الكذب ولا رفض الاعتذار
قد يلقي الطفل اللوم على غيره وهو يقول شيئًا غير صحيح، وقد يقول حقيقة جزئية.
أخوه دفعه فعلًا، لكنه كان يركض في مكان ممنوع.
الاختبار كان صعبًا فعلًا، لكنه لم يراجع كما اتفقتم.
صديقه بدأ الاستفزاز، لكنه اختار أن يرد بطريقة زادت المشكلة.
إذا تعاملنا مع كل تفسير يقدمه الطفل بوصفه كذبة، سننقل الحديث من المسؤولية إلى معركة
حول صدقه.
وإذا أصررنا على كلمة اعتذار فورًا، قد ننتقل إلى معركة أخرى حول الخضوع للكلمة نفسها.
السؤال هنا أضيق.
هل يستطيع الطفل أن يرى مساهمته في النتيجة من دون أن يحتاج إلى جعل شخص آخر مسؤولًا
عن كل شيء.
هذا الفصل يحمي الأرشيف التربوي أيضًا في الواقع المنزلي.
يمكن أن تعالج الكذب عندما يوجد كذب، والاعتذار عندما يحتاج الضرر إلى اعتذار، لكن بناء المسؤولية يبدأ قبل الاثنين.
يبدأ حين يتعلم الطفل أن أكثر من عامل قد يكون صحيحًا في الوقت نفسه.
ومع الأطفال الأصغر سنًا توجد طبقة أخرى يجب الانتباه لها.
قبل نحو السادسة قد يكون الحد الفاصل بين الخيال والواقع أقل ثباتًا في بعض المواقف،
وقد يضيف الطفل تفسيرًا غير دقيق من دون أن يكون يقصد الخداع بالطريقة التي يفهمها البالغ.
هذا لا يعفي الطفل الصغير من التعلم.
لكنه يغير السؤال من لماذا تكذب إلى ما الذي حدث كما رأيته أنت.
ثم نساعده على ترتيب التسلسل بدل انتزاع اعتراف لا يفهم معناه بالكامل.
فهم المسؤولية ينمو ولا يظهر كاملًا منذ البداية
الأطفال يطورون تدريجيًا قدرتهم على الحكم على القصد والإهمال والنتيجة عند تقييم الخطأ.
الدراسات على الأحكام الأخلاقية وجدت أن الأطفال الصغار يستطيعون الانتباه لبعض عناصر المسؤولية، لكن وزن هذه العناصر يصبح أكثر دقة مع العمر.
هذا يعني أن الطفل لا يحتاج إلى محاضرة عن النزاهة كلما قدم تفسيرًا ناقصًا.
قد يكون ما ينقصه أحيانًا هو تفكيك الموقف نفسه.
طفل صغير يرى العصير على الأرض وقد يكون أكثر تعلقًا بالنتيجة المباشرة وبمن لمس الكوب آخر مرة.
طفل أكبر يستطيع عادة أن يفهم بصورة أفضل أن دفع أخيه له لا يلغي أنه كان يحمل الكوب بطريقة
غير مناسبة.
والمراهق يستطيع مناقشة ظروف أكثر تعقيدًا، لكنه قد يظل منحازًا لروايته عندما تكون سمعته أو نتيجته الدراسية موضع ضغط.
النمو لا يعفي الطفل من المسؤولية، لكنه يغير الطريقة التي نعلمه بها.
المطلوب هو بناء حكم أدق مع الوقت، لا انتظار أن يتصرف بعقل بالغ في كل موقف.
والقدرة على تقدير المسؤولية ليست مجرد معرفة قاعدة أخلاقية.
دراسات على الأطفال بين الثالثة والثانية عشرة تبين أنهم يستطيعون مراعاة القصد والإهمال والظروف عند توزيع اللوم، وأن هذه القدرة تصبح أكثر تفصيلًا مع العمر.
لذلك قد يعرف الطفل القاعدة العامة ويظل يحتاج تدريبًا على تطبيقها عندما يكون هو طرفًا في الموقف.
لا تجعل البحث عن المتهم يسبق فهم ما حدث
حين تسأل فورًا من فعل هذا، يتجه انتباه الجميع نحو تحديد شخص يحمل الخطأ.
هذه الصيغة تكون ضرورية أحيانًا إذا تعلق الأمر بالأمان أو بحق شخص آخر، لكنها ليست أفضل بداية
لكل كوب انكسر أو واجب تأخر.
ابدأ بالواقعة.
ماذا حدث قبل سقوط الكوب، من كان موجودًا، وما الذي فعله كل شخص.
عندما تصف الأحداث أولًا تقل الحاجة إلى اختيار رواية فيها بطل بريء ومتهم كامل.
إذا قال الطفل إن أخاه دفعه، لا تحتاج إلى رفض كلامه حتى تعلمه المسؤولية.
يمكنك أن تثبت الجزء الصحيح ثم تعود إلى دوره.
نعم، دفعك أخوك، وأنت أيضًا كنت تحمل الكوب قرب طرف الطاولة.
الآن أصبح لدينا سلوكان يمكن معالجتهما.
هذه الطريقة تعلمه أن الاعتراف بجزء من مسؤوليته لا يعني أن رواية الطرف الآخر ستنتصر عليه.
ويمكن للعدل أن يوزع المسؤولية بدل أن يبحث دائمًا عن مذنب واحد.
الخوف من العاقبة قد يزيد الدفاع لكنه ليس التفسير الوحيد
الأطفال قد ينكرون أو يخفون الحقيقة عندما يتوقعون عقوبة أو خيبة من الوالدين.
الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تشير إلى أن الخوف من العقاب أو خذلان الأهل من الأسباب الشائعة للكذب عند الأطفال الأكبر سنًا، وأن المبالغة في الرد قد تزيد الدافع إلى حماية النفس بالكذب.
لكن هذا لا يسمح لنا بأن نستنتج أن كل طفل يلقي اللوم يعيش خوفًا من فقدان الحب.
قد يكون السبب عادة تعلمها، أو رغبة في تجنب نتيجة مزعجة، أو منافسة بين الإخوة، أو قراءة مختلفة للموقف، أو محاولة سريعة لحماية صورته أمام الآخرين.
كذلك لا نحتاج إلى تبرئة السلوك حتى نهدئ البيئة.
يمكنك أن تكون هادئًا وحازمًا في الوقت نفسه.
لا تقبل اتهام أخ بريء، ولا تهن الطفل، ولا تحوله إلى شخص سيئ بسبب خطأ واحد.
الهدوء هنا ليس مكافأة على التملص.
فائدته أنه يترك مساحة كافية لفهم الحدث ثم ربط الجزء الذي يخص الطفل بنتيجة واضحة.
ركز على الفعل بدل تحويل الخطأ إلى وصف للشخص
هناك فرق بين أن تقول إن هذا التصرف كان مهملًا وبين أن تصف الطفل بأنه مهمل دائمًا.
أبحاث التغذية الراجعة لدى الأطفال وجدت أن المدح أو النقد الموجه إلى صفات الشخص يمكن أن يجعل التعثر أكثر ارتباطًا بتقييم الذات مقارنة بالتغذية الراجعة الموجهة إلى العملية والسلوك.
هذا لا يعني أن كل ثناء على ذكاء الطفل سيجعله يهرب من المسؤولية، فالنتائج في هذا المجال تتأثر بالسياق وطريقة التغذية الراجعة.
لكنه يذكرنا بفكرة تربوية مفيدة، ناقش ما فعله الطفل وما يمكن تغييره بدل تثبيت الخطأ داخل هويته.
إذا ضاعت الحقيبة، لا تجعل الحوار عن كونه شخصًا لا يعتمد عليه.
انظر إلى السلوك الذي سبق الضياع، أين تركها، وما الخطوة التي كان يستطيع اتخاذها، وكيف سيغير طريقته في المرة القادمة.
عندما يصبح الخطأ قابلًا للتفكيك، يصبح تحمل جزء منه
أقل تهديدًا من حكم شامل على الشخصية.
المسؤولية لا تعني تحميل الطفل ما لم يفعله
من الأخطاء التربوية المقابلة أن نريد بناء طفل مسؤول إلى درجة نرفض معها أي عامل خارجي يذكره.
ليس كل قول إن المعلم صعب أو إن الأخ دفعني تهربًا.
الأطفال يتعلمون المسؤولية أيضًا عندما يرون أن الكبار منصفون.
إذا كان طرفان قد شاركا في المشكلة، فلا تطلب من واحد أن يحملها كاملة لمجرد أنك تريد منه درسًا في تحمل المسؤولية.
اسأل عن القصد والمساهمة والأثر.
هل قصد الطفل الضرر، هل كان يستطيع تجنب جزء منه، ماذا فعل بعد أن بدأ الموقف، وما النتيجة
التي ترتبت على سلوكه.
اقرأ ايضا : لماذا يخاف طفلي من الخطأ رغم أنني أشجعه؟
هذه الأسئلة تساعد على الانتقال من أنا بريء أو أنا مذنب إلى فهم أكثر واقعية.
قد يكون الطفل غير مسؤول عن بداية المشكلة لكنه مسؤول عن طريقة رده.
وقد يكون الخطأ حادثًا لا يستدعي عقابًا، لكنه يستدعي تنظيفًا أو إصلاحًا.
العدل في توزيع المسؤولية يجعل الاعتراف بها أكثر صدقًا، لأن الطفل لا يتعلم أن تحمل المسؤولية
يعني قبول اتهام أكبر من دوره.
ومن المهم ألا نخلط بين تحمل المسؤولية وتحمل الذنب عن النتيجة كلها.
إذا اصطدم طفلان أثناء اللعب وسقط أحدهما، قد لا يكون أي منهما قصد الأذى.
يمكن أن نطلب من الطفل أن يلاحظ السرعة أو المكان أو طريقة اللعب من دون أن نعلن أنه سبب
كل ما حدث.
هذا النوع من الإنصاف يبني تفكيرًا أخلاقيًا أفضل من إجباره على اعتراف شامل.
الطفل يتعلم أن المسؤولية درجات، وأن القصد لا يمحو الأثر، وأن وقوع الأثر لا يثبت وجود نية سيئة.
اجعل النتيجة مرتبطة بالإصلاح لا بالإهانة
بعد أن يتضح الجزء الذي يعود إلى الطفل، يحتاج إلى نتيجة مفهومة.
الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال توصي بانضباط يعلّم السلوك ويستخدم توقعات وعواقب معقولة، مع تجنب الإهانة والتهديد والعقاب البدني.
إذا سكب شيئًا بسبب لعب غير مناسب، يشارك في التنظيف بما يناسب عمره.
إذا أتلف غرضًا، يشارك في إصلاح الضرر بطريقة عادلة.
إذا نسي واجبًا بسبب تأجيله، يساعد في ترتيب طريقة تمنع تكرار المشكلة.
لا يلزم أن تكون النتيجة مؤلمة حتى تكون تربوية.
الغرض هو إنشاء صلة واضحة بين الفعل وأثره وما يمكن فعله بعده.
وفي المقابل لا تجعل الإصلاح طريقة لمحو الحقيقة.
إذا اتهم الطفل أخاه ظلمًا، فهناك جزء إضافي يتعلق بتصحيح الاتهام.
وإذا كذب، فهذه مسألة ثقة تحتاج معالجة مناسبة.
المسؤولية الجيدة لا تختصر كل الموقف في عقوبة واحدة.
إذا كان هناك ضرر لشخص آخر، لا تجعل الإصلاح شكليًا.
قد يبدأ بإعادة الغرض أو المساعدة في إصلاحه أو توضيح الحقيقة لمن اتهمه.
الاعتذار يمكن أن يأتي عندما يفهم الطفل أثر سلوكه، لكنه ليس بديلًا عن إصلاح ما يمكن إصلاحه.
دع طفلك يراك تتحمل الجزء الذي يخصك
تعليم المسؤولية يضعف عندما يسمع الطفل الكبار يطلبونها منه ثم يراهم يفسرون أخطاءهم
دائمًا بالزحام والعمل والآخرين.
لا يحتاج الوالد إلى استعراض أخطائه، لكن المواقف اليومية الصغيرة تكفي.
تأخرت لأنني لم أقدر الوقت جيدًا.
رفعت صوتي، وكان يمكنني أن أتكلم بهدوء.
نسيت الطلب، وسأصلحه.
هذه اللغة لا تهدم مكانة الأب أو الأم.
هي تقدم نموذجًا يفرق بين تفسير الظروف وبين إلغاء المسؤولية.
الزحام قد يكون حقيقيًا، ومع ذلك كان تقدير الوقت جزءًا من القرار.
وحين يرى الطفل أن الاعتراف لا يساوي إذلالًا ولا انهيارًا في المكانة، يصبح مفهوم المسؤولية أكثر عملية.
الخطأ حدث يمكن وصفه وإصلاحه، وليس معركة يجب أن يخرج منها شخص بريء بالكامل.
المراهق خصوصًا يلاحظ التناقض بسرعة.
إذا كان
الكبار يطالبونه بمراجعة دوره، فمن العدل أن يراهم يفعلون الشيء نفسه عندما يخطئون في حقه.
وعندما يراجع الطفل الموقف بعد أن يهدأ، لا تجعل هدفك الوصول إلى رواية مثالية.
يكفي أن يتقدم خطوة في الدقة.
طفل كان يقول إن الآخرين فعلوا كل شيء قد يبدأ بالقول إنهم شاركوا لكنه أخطأ أيضًا.
هذا التحول الصغير أهم من اعتراف كامل قيل تحت ضغط ثم اختفى عند أول موقف جديد.
استخدم بوابة المسؤولية بعد الخطأ
عندما يبدأ طفلك بإلقاء اللوم، مرر الموقف عبر خمس نقاط.
الأولى الواقعة، ماذا حدث فعلًا قبل أن نقرر من المخطئ.
الثانية القصد، هل كان ما حدث متعمدًا أم حادثًا أم نتيجة إهمال.
الثالثة المساهمة، ما الجزء الذي قام به الطفل حتى لو شارك غيره في السبب.
الرابعة الأثر، ماذا ترتب على هذا الجزء ومن تأثر به.
الخامسة الإصلاح، ما الخطوة التي يستطيع القيام بها الآن لتقليل الضرر أو منع التكرار.
يمكنك اختصار الحوار بحسب العمر.
مع طفل صغير تكفي جملتان عن ما حدث وما الذي سنصلحه.
مع طفل أكبر تستطيع مناقشة البدائل.
ومع المراهق يصبح من المفيد أن تترك له مساحة ليحدد بنفسه الجزء الذي كان تحت سيطرته.
إذا أصر على اتهام الآخرين في كل موقف رغم وضوح دوره، فلا تدخل في جدال دائري.
ثبت الوقائع التي تعرفها، طبق النتيجة المتعلقة بسلوكه، وعد إلى النقاش عندما يهدأ الموقف.
أما إذا أصبح
النمط واسعًا ومستمرا في البيت والمدرسة، ورافقه كذب مزمن أو عدوان أو مشكلات كبيرة في العلاقات أو غياب واضح لتحمل النتائج، فهنا يستحق الأمر فهمًا أوسع مع مختص مناسب بدل تفسير كل شيء بأنه مجرد عناد.
اقرأ ايضا : كيف أتعامل مع طفل يقاطع حديث الكبار باستمرار دون إحراجه؟
هدفك ليس أن تنتزع من طفلك جملة أنا المخطئ.
الهدف أن يتعلم شيئًا أصعب وأهم، أن يرى الواقع بعدل، ويعرف أين ينتهي دور الآخرين
وأين يبدأ دوره، ثم يتحرك من البحث عن متهم إلى إصلاح الجزء الذي يستطيع تغييره.
