كيف يخبرك طفلك أنه قلق دون أن يقول كلمة واحدة؟

كيف يخبرك طفلك أنه قلق دون أن يقول كلمة واحدة؟

من الطفولة إلى المراهقة

طفل يعبر عن قلقه من خلال سلوكيات غير لفظية
طفل يعبر عن قلقه من خلال سلوكيات غير لفظية

سلوكيات غامضة تترجم صمت الطفولة المربك يبدأ الأمر عادة بمشهد يومي مألوف داخل أي بيت.
تلاحظ الأم أن طفلها الهادئ أصبح فجأة سريع الغضب ويرفض تناول طعامه المفضل أو ربما يبدأ في قضم أظافره بشراهة أثناء الجلوس صامتا.
الخطأ الداخلي الشائع الذي نقع فيه كآباء ومربين هو تفسير هذه التغيرات المفاجئة على أنها مجرد تمرد طفولي أو رغبة في لفت الانتباه وتحدي القواعد المنزلية.
نتعامل مع السطح الظاهر من السلوك وننسى أن هذا الطفل الصغير لا يمتلك قاموسا لغويا معقدا يجعله قادرا على الجلوس أمامنا ليقول بوضوح إنه يشعر بالتوتر.
قد يكون هذا التوتر نابعا من تغيير مكان سكنه أو بسبب خلاف سمعه بين والديه في الليلة الماضية 

أو حتى بسبب مولود جديد أخذ مساحته.
القلق عند الأطفال نادرًا ما يظهر في صورة كلمات واضحة بل يظهر غالبًا عبر سلوك أو شكوى أو تغير مفاجئ يصعب تفسيره.
عندما يعجز الطفل عن إيجاد لغة للتعبير عن خوفه الداخلي يتحول جسده إلى لسان ناطق.
نرى هذا بوضوح في الشكوى المتكررة من آلام غير مبررة في البطن قبل الذهاب إلى المدرسة أو نوبات الصداع المفاجئة التي لا يجد لها الطبيب العضوي أي تفسير.
جسد الطفل هنا يترجم حالة القلق التي تفوق قدرة عقله الغض على استيعابها ومعالجتها.
هو لا يتهرب من المدرسة كما نظن بل يتهرب من شعور ثقيل يضغط على صدره ولا يعرف له اسما أو وصفا.
هذا العجز اللغوي يجعله سجينا في دائرة من الانفعالات غير المفهومة له وللآخرين من حوله.
وكلما كان الطفل أصغر سنًا زادت احتمالية ظهور القلق في صورة سلوكيات يسيء الكبار تفسيرها

 على أنها عناد أو تمرد.
الزاوية الأهم لفهم هذه الحالة تبدأ من إدراكنا لقصورنا نحن البالغين في فهم ذواتنا أحيانا.
الطفل يعتمد على أدواته البدائية للتواصل مع العالم وعندما يغزوه القلق فهو يرسل إشارات استغاثة مشفرة.
قد تتمثل هذه الإشارات في التبول اللاإرادي بعد سنوات من التحكم أو في التعلق الشديد بالأم ورفض الانفصال عنها ولو لدقائق معدودة.
هذا السلوك التراجعي هو محاولة يائسة للعودة إلى مساحة أمان مألوفة بعد أن اهتز عالمه الداخلي الهش.
الطفل يحاول استعادة السيطرة على بيئته من خلال التمسك بأبسط الأشياء التي يعرفها.
إذا تعاملنا مع هذه الإشارات بغضب أو بتأديب صارم فنحن في الواقع نعاقب الطفل على عجزه 

عن التحدث ونزيد من مساحة القلق داخله بشكل مضاعف.
المشكلة أن كثيرًا من هذه السلوكيات تختفي عندما يشعر الطفل بالأمان حتى قبل أن يتمكن من شرح

 ما كان يزعجه.
الفهم العميق لأسلوب الطفل في التعامل مع مشاعره يتطلب منا أن نقرأ ما بين السطور بوعي وأن نستمع إلى صمته وحركته بنفس الانتباه الذي نستمع به إلى كلماته القليلة.

فك شفرة الغضب كقناع يخفي الخوف العميق

الخطأ الداخلي الشائع الذي نقع فيه كبالغين هو الاستجابة لغضب الطفل بغضب مضاد معتقدين أننا نحمي حدود التربية ونقوم السلوك.
نرى الطفل يرمي ألعابه بعنف أو يفتعل شجارًا مفاجئًا مع أخيه الأصغر دون مبرر واضح فنتدخل فورًا لفرض العقاب.
لكن لو توقفنا لحظة وتأملنا ما يحدث لأدركنا أن الغضب في عالم الطفولة هو غالبًا القناع الأسهل
 الذي يرتديه الخوف والقلق.
الطفل الذي يشعر بعدم الأمان أو بالتوتر المكتوم لا يستطيع أن يقول بوضوح إنه خائف من التغيير
 الذي يحدث في حياته بل سيصرخ ويرفض النوم ويختلق المشكلات من العدم.

عندما ننفعل نحن كآباء في مواجهة هذا السلوك فنحن في الحقيقة نتفاعل مع شعورنا الداخلي بالتهديد وفقدان السيطرة وليس مع حاجة الطفل الحقيقية.
زاوية فهم الذات هنا تتطلب منا أن نفصل بين إزعاج السلوك الظاهر وبين الألم الخفي الذي يحركه.
خذ على سبيل المثال طفلًا يعود من يومه الدراسي الأول في مدرسة جديدة لينهار بالبكاء ويفتعل أزمة كبرى لأن كوب الماء الذي قدمته له أمه ليس كوبه المفضل.
الخطأ هو أن نتجادل معه حول الكوب أو نتهمه بالدلال المفرط وسوء الأدب.
الواقع هو أن هذا الكوب المألوف يمثل له آخر معاقل الأمان في يوم كان مليئًا بالتوتر ومحاولة التكيف

 مع وجوه غريبة ونظام جديد.
هو قطعيًا لا يبكي على الكوب بل يبكي ليفرغ شحنة قلق كاملة احتفظ بها طوال

 اليوم حتى عاد إلى مساحته الآمنة ووجد الفرصة للانهيار.
إن إدراكنا لهذه الحقيقة يغير تمامًا من طبيعة تدخلنا التربوي.
بدلًا من أن نكون طرفًا في صراع نفوذ مع طفل خائف نتحول إلى وعاء آمن يستوعب هذا الخوف ويحتويه.
قدرتنا على استيعاب هذه المشاهد تعتمد بشكل أساسي على مدى نضجنا الانفعالي وفهمنا لمخاوفنا نحن.
في أحيان كثيرة يزعجنا بكاء الطفل أو غضبه المستمر لأنه يلامس وترًا حساسًا داخلنا ربما يذكرنا بعجزنا القديم عن التعبير أو يوقظ فينا قلقًا دفينًا حول كفاءتنا في التربية وتقييم الآخرين لنا.
عندما نفهم أنفسنا وندرك أن صراخ الطفل ليس إعلانًا لفشلنا بل هو مجرد أداة بدائية يستخدمها للتواصل نصبح أكثر قدرة على الثبات.
هذا الهدوء الداخلي من جانب المربي هو أول وأهم رسالة طمأنينة تصل إلى الطفل.
هو يرى في ثباتنا العاطفي مرساة تمنعه من الغرق في بحر قلقه غير المفهوم.
لا يحتاج الطفل في لحظات توتره وانفجاره إلى مواعظ أو شروحات منطقية حول السلوك الصحيح والخاطئ لأن دماغه في تلك اللحظة يعمل بوضعية الطوارئ والدفاع عن النفس والتفكير المنطقي

 لديه يكون معطلًا تمامًا.
ما يحتاجه حقًا في لحظة الانفجار هو أن يشعر بأن الشخص البالغ أمامه يراه يفهم ارتباكه ويتقبله

 دون أن يعاقبه على مشاعر ثقيلة هو نفسه لا يملك القدرة على تسميتها أو ترويضها.

الانعزال الصامت كدرع حماية من فوضى الشعور

الخطأ الداخلي الشائع الذي نرتكبه بغير قصد في زحام مسؤولياتنا اليومية هو احتفاؤنا بالهدوء المفاجئ الذي يطرأ على الطفل واعتباره علامة على النضج أو حسن السلوك.
نرى الطفل ينسحب بهدوء إلى غرفته يجلس لساعات طويلة يرتب ألعابه بصمت مريب أو ينغمس بشكل مفرط في شاشة جهازه اللوحي دون أن يطلب شيئا أو يثير ضجيجا.
في تلك اللحظات وبسبب إرهاقنا البالغ كآباء نتنفس الصعداء ونظن أننا أخيرا نجحنا في توفير بيئة هادئة 
أو أن الطفل قد تكيف تماما مع المتغيرات الجديدة من حوله.
لكننا ننسى حقيقة نفسية أساسية وهي أن الطبيعة الفطرية للطفولة هي الحركة الفضول والضجيج المبهج.

اقرأ ايضا: ما يزرع الثقة أو الخوف في طفلك يبدأ قبل أن يفهم الكلمات

عندما ينطفئ هذا الفضول فجأة ويتحول الطفل إلى كائن ساكن بلا تفاعل فنحن لسنا أمام طفل مهذب
 بل نحن أمام طفل قرر الانسحاب إلى الداخل لأن عالمه الخارجي أصبح مخيفا أو مربكا.
اختفاء الفضول والحركة بصورة مفاجئة قد يكون أحيانًا علامة على انسحاب الطفل إلى الداخل بسبب شعوره بالضغط أو الارتباك.
زاوية فهم الذات هنا تتطلب منا أن نواجه أنفسنا بصدق نحن نرحب بصمت الطفل أحيانا لأنه يخدم حاجتنا الملحة للراحة ونتجاهل أن هذا الصمت هو في الواقع أعلى درجات الصراخ الداخلي.
الطفل الذي يعجز عن صياغة قلقه في جمل مفهومة والذي يرى أن الانفجار أو الغضب لا يجلب له سوى العقاب أو التوبيخ يلجأ إلى استراتيجية البقاء الأخيرة وهي الانفصال العاطفي عن محيطه.
يبني جدارا غير مرئي بينه وبين العالم كدرع يحميه من فوضى المشاعر التي تعصف بصدره.
خذ على سبيل المثال أسرة تمر بأزمة مالية صامتة أو توتر مستمر بين الزوجين يحاولان إخفاءه الطفل
 لا يفهم تفاصيل الأزمة لكنه يلتقط بذبذباته العالية برودة الجو وانقباض الملامح.
وبدلا من أن يسأل عما يحدث يختار التواري عن الأنظار وتجنب أي احتكاك وكأنه يحاول تقليل مساحته
 في هذا العالم المتوتر حتى لا يكون عبئا إضافيا.
هذا الانعزال يمثل عبئا نفسيا هائلا على طفل لا يزال في طور تشكيل هويته وثقته بالعالم.
هو يبتلع قلقه ويحبسه في أعمق نقطة داخل نفسه مما يجعله فريسة سهلة للأفكار المخيفة والتصورات المشوهة عن ذاته وعن الآخرين.
عندما نكتفي بمراقبة هذا الانسحاب من بعيد ونمتدح هدوءه فنحن نكرس داخله قناعة مؤلمة بأن حزنه غير مرئي وأن قيمته تكمن فقط في عدم إزعاجه للآخرين.
فهمنا الواعي لهذه الآلية الدفاعية يفرض علينا أن نكون نحن المبادرين باختراق هذا الجدار اللطيف
 ليس باقتحام خلوته عنوة أو إجباره على الحديث بل بالتواجد الصامت والمريح بجانبه.
أن نجلس قربه ونشاركه لعبة بسيطة أو نمسح على رأسه بحنان دون أن نطلب منه تبريرا لجلسته الوحيدة.
هذه الأفعال البسيطة غير اللفظية هي الطريقة العميقة والناضجة لنقول له نحن نراك ونعلم أنك لست بخير ونحن هنا من أجلك حتى وإن لم تجد الكلمات لتشرح لنا ما بك.

التشبث الصارم بالروتين ومقاومة التغيير كطوق نجاة

الخطأ الداخلي الشائع الذي نتبناه كآباء هو الشعور بالاستفزاز العالي عندما يبدأ الطفل فجأة في فرض شروط صارمة على تفاصيل يومه البسيطة.
نجد أنفسنا أمام طفل يرفض تناول طعامه إلا في طبق بلون محدد أو يصر على ارتداء نفس الملابس يوميا أو يبدي مقاومة شرسة وبكاء هستيريا لأي تغيير بسيط في خطة الخروج العائلية.
نفسر هذا السلوك غالبا على أنه عناد وتصلب في الرأي ومحاولة لفرض السيطرة المزعجة على مسار الحياة اليومية للأسرة.
ندخل معه في معارك استنزافية لكسر هذا العناد معتقدين أننا نعلمه المرونة والتكيف مع ظروف الحياة وتقبل المتغيرات.
لكننا في خضم هذه المعركة اليومية نغفل عن حقيقة نفسية عميقة وهي أن هذا التشبث المرضي بالروتين ليس تمردا مقصودا بل هو محاولة بائسة من الطفل لخلق مساحة من التوقع الآمن في عالم يشعر فيه بالتهديد المجهول.
زاوية فهم الذات ترشدنا إلى تأمل سلوكنا نحن كبالغين عندما تحاصرنا الضغوط والمخاوف ومشاعر الانعدام.
نحن أيضا في أوقات القلق الشديد نميل إلى التمسك بعاداتنا القديمة ونرفض التجديد ونبحث عن الأمان في الأشياء المألوفة التي نتقنها.
الطفل المليء بالقلق الداخلي والذي لا يملك لغة لوصف ما يعتمل في صدره يرى أن عالمه الداخلي يتداعى ويفقد السيطرة عليه تماما.
لذلك يقوم بالتعويض عن هذا الفقدان الداخلي من خلال السيطرة المفرطة على بيئته الخارجية.
عندما نغير خطة مفاجئة ونتوقع منه أن يسايرنا بمرونة وسعادة نحن في الواقع نسحب البساط من تحت قدميه المهتزتين أساسا.
إذا أدركنا أن هذا التصلب هو استغاثة صامتة من القلق سيتغير رد فعلنا جذريا وستصبح نظرتنا أكثر رحمة ووعيا.
بدلا من التوبيخ وإجبار الطفل على التخلي عن طقوسه فورا يمكننا أن نمنحه هذا الشعور بالسيطرة 
في مساحات آمنة لتقليل توتره.
مثلا عندما يصر الطفل على ترتيب أدواته المدرسية بنسق لا يتغير أو رفض مسار طريق مختلف للعودة للمنزل فهو لا يفعل ذلك حبا في النظام الصارم بل لأن هذا الترتيب يمنحه شعورا مؤقتا بالتحكم في يومه
 الذي يخيفه.
إجباره على التخلي عن درعه فجأة سيزيد من نوبات الذعر داخله ولن يعلمه المرونة.
النضج التربوي يقتضي منا أن نساير هذه الطقوس المؤقتة بصبر هادئ مع العمل بالتوازي على تفكيك مصادر القلق الأصلية.
عندما نهيئ للطفل بيئة يقل فيها التوتر ونحتوي مخاوفه الحقيقية سيبدأ هو تلقائيا في التخلي 
عن هذه الشروط الصارمة لأن المرونة لا تكتسب بالكسر والإجبار بل تولد طبيعيا عندما يشعر الإنسان بالأمان الكافي.

ترجمة لغة الجسد المتألم كبوابة للعبور نحو الأمان

الخطأ الداخلي الشائع الذي ننزلق إليه بحكم قلقنا الفطري كآباء هو التركيز المفرط على الجانب العضوي المحض عندما يبدأ الطفل في الشكوى المتكررة من آلام جسدية مفاجئة.
نأخذه من طبيب إلى آخر بحثا عن تفسير لصداع متكرر أو مغص ليلي أو اضطراب مستمر في النوم
 أو حتى صعوبة في التنفس تسبق الذهاب إلى المدرسة.
وعندما تؤكد جميع الفحوصات الطبية سلامة الطفل العضوية نقع في فخ خطير وهو اتهام الطفل بالتمارض أو التهرب من المسؤوليات والواجبات.
نحن هنا نلغي رسالة الجسد العميقة ونتعامل مع الشكوى على أنها حيلة احتيالية متناسين أن جسد الطفل هو الناطق الرسمي باسم جهاز عصبي مثقل بالتوتر ولا يجد كلمات يفرغ بها هذه الشحنة.
زاوية فهم الذات تفرض علينا في هذه اللحظة أن نستدعي تجاربنا الشخصية كبالغين.
كم مرة شعرنا نحن بتقلصات حادة في المعدة قبل مقابلة عمل مصيرية أو قرار مالي صعب.
كم مرة داهمنا الصداع النصفي بعد نقاش عائلي حاد كتمنا فيه غضبنا.
إذا كانت أجسادنا الناضجة تترجم الضغط النفسي إلى ألم عضوي ملموس وحقيقي رغم امتلاكنا للقدرة 
على التعبير والكلام فكيف هو الحال مع طفل يفتقر تماما إلى هذه الرفاهية.
ألم بطن الطفل في الصباح ألم حقيقي وليس وهما لكنه ليس ناتجا عن طعام فاسد بل عن فكرة مخيفة تدور في عقله أو موقف يخشى مواجهته أو شعور بالتهديد لم يستطع صياغته في جملة مفيدة.
الجسد هنا يتحمل العبء ويقوم نيابة عن العقل بإطلاق صفارة الإنذار.

اقرأ ايضا: المشاعر التي تربك المراهق أكثر مما يتحدث عنها

هذا الإجراء اليومي البسيط المتكرر بوعي وهدوء يفكك تدريجيا حالة الاحتقان الداخلي لديه.
مع الوقت يتعلم الطفل أن مشاعره مفهومة ويمكن التعبير عنها والتعامل معها دون خوف أو خجل.
قرارنا الناضج كآباء ومربين لا يكمن في محاولة محو القلق من حياة أبنائنا فهذا مستحيل في عالم دائم التغير بل يكمن في أن نكون نحن الجسر الآمن الذي يعبرون عليه من فوضى الصمت المربك إلى وضوح التعبير.
في المرة القادمة التي يتغير فيها سلوك طفلك فجأة لا تسأل أولًا كيف أوقف هذا السلوك
 بل اسأل ماذا يحاول أن يخبرني به من خلاله.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال