كيف تساعد ابنك المراهق على اكتشاف شغفه ومواهبه؟
من الطفولة الي المراهقة
النجاح والوعي بالذات:
تُعَدّ مرحلة المراهقة منعطفًا حاسمًا في حياة الأبناء، فهي ليست مجرد سنوات عابرة بل هي رحلة صاخبة من التساؤلات والتغيرات. في غمرة هذا التحول يجد الكثير من الآباء أنفسهم أمام تحدٍّ كبير: كيف يمكنهم مساعدة أبنائهم على إيجاد طريقهم في عالم مليء بالخيارات والمشتتات؟ يكمن المفتاح الحقيقي في توجيههم نحو اكتشاف الشغف والمواهب الكامنة داخلهم. هذا المقال ليس مجرد دليل إرشادي بل هو خارطة طريق عملية سترافقك خطوة بخطوة لتضيء لابنك دربه نحو النجاح والوعي بالذات.
![]() |
كيف تساعد ابنك المراهق على اكتشاف شغفه ومواهبه؟ |
أ / المراهقة: رحلة التحول من الطفولة إلى اكتشاف الذات:
تُعدّ مرحلة المراهقة بوابة العبور من عالم الطفولة الآمن إلى فضاء البلوغ الممتد، وهي فترة تتخللها تغيرات عميقة على كافة المستويات، فسرعان ما يتناوب المراهق في سلوكه بين التصرف كبالغ ناضج والعودة إلى تصرفات طفولية. هذه التغيرات لا تحدث بلا معنى، بل تعكس صراعًا داخليًا وخارجيًا يحاول المراهق عبره العثور على إجابات لأسئلة جوهرية كـ"من أكون؟" و"ما هو طريقي؟".
يمر المراهقون بتحولات نفسية وجسدية بارزة، تتجلى في انفعالات حادة، توتر زائد، وردود فعل حساسة تجاه المواقف والأفكار. هذه التغيرات الهرمونية والجسدية تخلق بيئة داخلية مضطربة، مما يجعلهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب. وقد أشارت إحصائيات عالمية إلى أن شخصًا واحدًا من بين كل سبعة مراهقين يعاني من اعتلالات نفسية لم يتم معالجتها بعد.
اقرأ ايضا : التعامل مع نوبات غضب الأطفال: نصائح عملية للوالدين
يوضح هذا أن المراهقة ليست مجرد فترة "عناد" بل هي تحدٍ نفسي يحتاج إلى فهم ودعم. السلوكيات السلبية كالعناد أو الانطواء ليست سوى انعكاس لمرحلة تحول أعمق، وليست مشكلة قائمة بذاتها.
حين يدرك الوالد هذا الجانب، ينتقل من موقع المراقب إلى شريك داعم، يركز على فهم الأسباب العميقة للسلوك لا مجرد معاقبة مظاهره. فكثير من هذه التصرفات ترتبط بنقص في الثقة بالنفس أو عدم القدرة على التعبير عن المشاعر بطريقة صحية.
مع نمو المراهق تزداد رغبته الطبيعية في تحقيق الاستقلالية. هذا السعي للحرية قد يصطدم بغريزة الآباء لحماية أبنائهم مما يؤدي إلى صراعات متكررة. في هذه الأثناء يصبح
تأثير الأقران أكثر قوة، ويسعى المراهقون للتوافق مع زملائهم خوفًا من فقدان الأصدقاء. إن الاضطراب الداخلي الناتج عن التغيرات النفسية بالإضافة إلى الضغط الخارجي من الأقران يدفع المراهق للبحث عن هويته. ويُعد توجيه هذا البحث نحو مسار إيجابي هو جوهر مهمة الوالدين.
فكلما تمكن المراهق من اكتشاف ما يميزه ويزيد من ثقته بنفسه، كلما أصبح يمتلك درعًا واقيًا يصد به ضغوط الأقران السلبية ويقلل من حاجته للتوافق معهم بشكل أعمى.
ب/ أدوات عملية لبناء شغف المراهق وتنميته:
يتطلب اكتشاف المواهب وشغف المراهق منهجًا عمليًا يرتكز على التجربة والممارسة. لا يعتمد هذا المنهج على الإجابات الجاهزة بل على خطوات يمكن للمراهق أن يخطوها بنفسه. تبدأ الرحلة بسؤال بسيط ومباشر: "ماذا تحب أن تفعل؟". الإجابة على هذا السؤال هي نصف الطريق نحو اكتشاف الموهبة، فغالبًا ما يكون الشغف مرتبطًا بما نستمتع بفعله. بعد ذلك، يجب على المراهق أن يمارس هذا النشاط بشكل منتظم ومكثف، فالشغف ليس مجرد فكرة بل هو طاقة كامنة لا تتطور إلا بالممارسة.
يجب التفريق بين الموهبة والمهارة. الموهبة هي القدرة الفطرية على فعل شيء ما بسهولة ، أما المهارة فهي قدرة مكتسبة بالتدريب والممارسة. ويثبت الواقع أن المهارة المصقولة بالتدريب تفوق بكثير الموهبة الكامنة غير المستغلة. إن الشغف ليس سرًا نكتشفه فجأة، بل هو نتاج عمل مستمر. يبدأ بالاهتمام ثم الممارسة ثم التطور، حتى يصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتنا.
لمواجهة نقص الحافز والخوف من الفشل، يجب على المراهق أن يوسع آفاقه بالبحث عن كل ما هو جديد ومواكبة العصر. يمكن أن يجد شغفه من خلال تجربة الأنشطة الإبداعية والرياضية أو من خلال فرص التطوع والتدريب العملي التي توفر نظرة واقعية على بيئة العمل وتساعده على تأكيد أو تعديل ميوله. إن الانتقال من التفكير في "الوجهة النهائية" إلى "الاستمتاع بالرحلة" هو الحل لمواجهة الإحباط. هذا يتطلب من المراهق أن يمارس هواياته بهدف المتعة فقط ، وليس بهدف إثبات شيء لنفسه أو للآخرين. إن الاحتفال بالنجاحات الصغيرة يولد شعورًا بالإنجاز والكفاءة ويمنح المراهق الوقود اللازم للاستمرار.
ج/ دور الوالدين: بين المرونة والتوجيه لاكتشاف موهبة ابنك:
إن دور الوالدين لا يقتصر على المتابعة أو الرقابة بل يتعداه ليكون دورًا أساسيًا في بناء بيئة داعمة ومُلهمة. فالمراهق الذي يشعر بالدعم والحنان يكون أقل عرضة للمشاكل السلوكية. يجب أن تكون علاقة الأهل مع ابنهم علاقة صداقة مبنية على الثقة. يتطلب هذا الاستماع الجيد دون مقاطعة أو إصدار أحكام ، واحترام رأيه ومشاعره حتى لو بدت متقلبة.
عندما يخطئ المراهق، يجب التركيز على تصحيح السلوك الخاطئ وليس على إهانة الشخص نفسه. هذا الأسلوب يبني الثقة ويفتح قنوات الحوار التي يحتاجها المراهق بشدة. إن غياب الحوار الفعّال قد يدفع المراهق للبحث عن الدعم خارج الأسرة مما قد يجعله أكثر عرضة لتأثير الأقران السلبي. لذا فإن بناء جسور الثقة هو استثمار وقائي في مستقبل المراهق.
إن منح المراهق مساحة من الاستقلالية مع وضع حدود واضحة ومنطقية هو حل وسطي بين الرقابة المطلقة والحرية غير المنضبطة. يجب على الوالدين أن يتبنوا منهج "المتابعة الذكية وغير المباشرة" وأن يسمحوا للمراهق بارتكاب الأخطاء والتعلم منها في بيئة آمنة. الرغبة في الاستقلالية وصراع الأهل للحفاظ على السيطرة لا يتعارضان بالضرورة. يمكن للوالدين أن يكونوا مرشدين وليسوا متحكمين.
من خلال وضع القواعد معًا واختيار العواقب بدلًا من العقاب يتعلم المراهق المسؤولية دون أن يشعر بالخنق. هذا التوازن هو جوهر
التعامل مع المراهق باحترام وفعالية.
وبدلًا من انتقاد المراهق أو مقارنته بالآخرين ، يجب على الأهل أن يركزوا على نقاط قوته وصفاته الإيجابية. إن الإشادة بالإنجازات والتعاطف مع التحديات التي يواجهها يقوي ثقته بنفسه ويرفع من شعوره بقيمته الذاتية وفي حالة الخمول أو نقص الحافز يجب على الأهل أن يكونوا قدوة في الإنجاز وأن يركزوا على دعم المراهق بالحب وليس باللوم. إن الرقابة المفرطة والأساليب التقليدية قد تخلق مراهقًا مهزوزًا وغير واثق من نفسه.
د/ منظومة متكاملة: برامج متخصصة وقصص نجاح ملهمة:
لا يقتصر اكتشاف الموهبة على الفرد والأسرة فحسب بل يتعداه ليكون مسؤولية مجتمعية كاملة. هناك العديد من النماذج والمنظومات التي أثبتت فعاليتها في هذا المجال. ترفض نظرية الذكاءات المتعددة التي وضعها عالم النفس "هاورد جاردنر" فكرة أن الذكاء قدرة عقلية واحدة فقط.. بل تشير إلى وجود أشكال مختلفة من الذكاء، كالغوي والاجتماعي والموسيقي وغيرها.
هذا المفهوم يعطي للوالدين والمربين إطارًا أوسع لتقييم مواهب أبنائهم بعيدًا عن الاختبارات التقليدية التي وُجهت لها انتقادات لأنها لا تعكس جميع أنواع المواهب. وقد أكدت دراسات أن الموهوبين أكاديميًا يبرز لديهم طيف من الذكاءات إذا ما تلقوا رعاية خاصة.
تلعب الهيئات والجمعيات دورًا حيويًا في رعاية الموهوبين. تقدم هذه المؤسسات مثل جمعية "رائد" برامج متكاملة لاكتشاف المواهب وتطويرها، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات المتخصصة. هذه البرامج تشمل فعاليات ومسابقات تهدف إلى تحفيز الشباب وتحويل أفكارهم الإبداعية إلى مشاريع عملية. كما تقدم مؤسسة "موهبة" نماذج رائدة لشباب حققوا إنجازات عالمية.
فالتعرف على الموهبة لا يُعد حدثًا فرديًا بحتًا، بل ثمرة تعاون بين الفرد بالتجربة، والأسرة بالتشجيع، والمجتمع بتوفير الفرص والمؤسسات.
تُعَدّ القصص الواقعية مصدر إلهام لا ينضب لـتنمية مواهب المراهقين. قصة رائد الأعمال فارح غراي الذي بدأ عمله في سن السادسة ووصل إلى المليون الأول في سن الرابعة عشرة، هي دليل على أن الشغف لا يعرف سنًا أو ظروفًا. رغم خلفيته الفقيرة ومرض والدته إلا أنه استغل موهبته في التواصل والإقناع ليشق طريقه نحو النجاح.
هذا النموذج يوضح أن الموهبة هي القوة التي يمكنها أن تحوّل التحديات إلى فرص للابتكار والتميز.
هـ/ الخاتمة:
إن مساعدة ابنك المراهق على اكتشاف شغفه ومواهبه هي رحلة تتطلب صبرًا وفهمًا وحبًا. هذه المرحلة الحساسة ليست مجرد عاصفة عابرة بل هي فرصة لبناء شخصية متكاملة واثقة ومسؤولة. من خلال فهم التغيرات التي يمر بها وتقديم الأدوات العملية لدعم رحلته ستكونون درعه وسنده. تذكروا أن الموهبة ليست حكرًا على نوع واحد من الذكاء، بل هي بحر واسع يضم كل القدرات الفريدة.
كلما منحتم ابنكم مساحة للاكتشاف والتجربة، كلما اقترب من أن يكون هو نفسه، بأبهى صورة. شاركونا في التعليقات: ما هي أكبر التحديات التي واجهتكم في مساعدة أبنائكم على اكتشاف مواهبهم؟ وما هي أنجح الاستراتيجيات التي اتبعتموها؟ دعونا نتبادل التجارب ونضيء دروبًا جديدة لأجيال قادمة.
اقرأ ايضا : المراهقة والتكنولوجيا: كيف تكون قدوة حسنة لأبنائك؟
هل لديك استفسار أو رأي؟
يسعدنا دائمًا تواصلك معنا!
يمكنك إرسال ملاحظاتك أو أسئلتك عبر صفحة [اتصل بنا] أو من خلال البريد الإلكتروني الخاص بنا، وسنكون سعداء بالرد عليك في أقرب وقت.